متى يكفُّ الموتُ عن الطوافِ حولَ أسوارِ المدينةِ المقدسة؟
تستيقظُ القدسُ المحتلة كلَّ يومٍ على ترنيمةِ وجعٍ جديدة، حيثُ يمتزجُ عبيرُ الأرضِ برائحةِ المسكِ المنبعثةِ من دماءِ شبابها. إنَّ ما تشهدهُ المدينةُ وأكنافها اليوم يتجاوزُ حدودَ الوصفِ الصحفيِّ العابر، ليصبحَ ملحمةً من الصمودِ تُكتبُ بالدمِ والدمع، في ظلِّ هجمةٍ شرسةٍ تستهدفُ الإنسانَ والحجرَ والمقدسات.
ارتقاءُ الفتى محمد ريان: ربيعٌ يقطفهُ الرصاص
في بلدةِ بيت دقو، شمالَ القدس المحتلة، توقفَ الزمنُ عندَ حدودِ السابعةِ عشرةَ من عمرِ الشهيد محمد مراد ريان. رصاصُ جيشِ الاحتلال لم يغتل جسداً غضاً فحسب، بل حاولَ وأدَ حلمٍ فلسطينيٍّ في مهدِه.
- الحدث: استشهاد الطفل محمد مراد ريان (17 عاماً).
- المكان: بلدة بيت دقو خلال اقتحام قوات الاحتلال.
- الإجراء: احتجاز جثمان الشهيد وحملة مداهمات واسعة طالت منازل الآمنين.
لقد تحولت المواجهاتُ في البلدةِ إلى ساحةِ شرفٍ أعزل أمامَ آلةِ حربٍ مدججة، انتهت باعتقالِ شابينِ وترهيبِ الأهالي، في محاولةٍ يائسةٍ لكسرِ إرادةِ الانتماء.
المسجدُ الأقصى: قداسةٌ تحتَ وطأةِ الاستباحة
لم تكن باحاتُ المسجدِ الأقصى بمنأى عن هذا المشهدِ القاتم، فقد استباحَ المستوطنونَ طهرَ المكانِ في مشهدٍ يستفزُّ مشاعرَ الأمةِ الإسلامية. لم يكتفِ هؤلاءِ بالاقتحامِ، بل حولوا ساحاتِ الحرمِ إلى مسرحٍ لطقوسٍ تلموديةٍ غريبةٍ عن هويةِ المكان.
إحصائياتُ الانتهاكِ في رحابِ الأقصى:
- عدد المقتحمين: 307 مستوطنين اقتحموا المسجد على فترتين.
- الممارسات: أداء طقوس تلمودية قرب قبة الصخرة المشرفة.
- التحريض: نشر مقاطع مصورة تحثُّ على استمرار تدنيس المقدسات.
خنقُ الحياةِ وتدميرُ الأرض: سياسةُ الأرضِ المحروقة
في ضاحيةِ البريدِ ببيت حنينا، يعيشُ المقدسيونَ فصلاً من فصولِ العذابِ اليوميِّ بسببِ إغلاقِ شريانٍ حيويٍّ يربطُ المنطقةَ بمحيطِها منذُ ثلاثةِ أشهر. هذا الحصارُ الجائرُ يهدفُ بوضوحٍ إلى تضييقِ سبلِ العيشِ ودفعِ السكانِ نحو اليأس.
أما في خليلِ الرحمنِ ومسافر يطا، فقد انتقلتِ الحربُ إلى لقمةِ العيش؛ حيثُ أطلقَ المستوطنونَ قطعانَ ماشيتهم لتنهشَ كروَم العنبِ وأشجارَ الخوخِ المثمرة.
- الخليل: اعتقال المواطن نبيه الشرباتي من جبل أبو رمان.
- مسافر يطا: مهاجمة المزارعين في خلة الحمص وسرقة معداتهم ومحاصيلهم.
- بيت لحم: إصابة مواطنين اثنين بجروح إثر هجوم بالسكاكين والحجارة استهدف مركبتهم في منطقة حرملة.
خاتمة: صمودٌ يورقُ في وجهِ الانكسار
إنَّ هذهِ الأحداثَ المتلاحقة، من ارتقاءِ الشهيدِ محمد ريان إلى استباحةِ الأقصى وتدميرِ الحقول، ليست إلا حلقاتٍ في سلسلةٍ طويلةٍ من محاولاتِ طمسِ الهوية. لكنَّ الحقائقَ التاريخيةَ واليقينَ الإيمانيَّ يؤكدانِ أنَّ الأرضَ تعرفُ أصحابها، وأنَّ دماءَ الشهداءِ هي البذرةُ التي ستنبتُ يوماً حريةً لا تقبلُ القسمةَ أو التراجع. يبقى المقدسيُّ صامداً، كزيتونهِ الضاربِ في عمقِ التاريخ، لا تهزُّه ريحُ البغيِ ولا تكسرُه غطرسةُ القوة.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً