المسجد الأقصى في عين العاصفة: قراءة في استراتيجية “الاعتياد” وفرض الواقع التلمودي

المسجد الأقصى في عين العاصفة: قراءة في استراتيجية “الاعتياد” وفرض الواقع التلمودي

المسجد الأقصى في عين العاصفة: قراءة في استراتيجية "الاعتياد" وفرض الواقع التلمودي

هل يدرك العالم أن الصمت تجاه ما يشهده المسجد الأقصى اليوم هو إقرار ضمني بتبديل هويته التاريخية؟ إن ما يحدث في باحات القبلة الأولى يتجاوز حدود الانتهاك العابر، ليصل إلى مرحلة "الهندسة الاجتماعية" للمكان، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى ترويض الوعي الجمعي لقبول الطقوس التلمودية كجزء أصيل من يوميات المسجد.

من الهامش إلى المتن: كيف أصبحت الاقتحامات سياسة رسمية؟

يوضح إمام وخطيب المسجد الأقصى، الشيخ عكرمة صبري، أن المشهد الراهن يمثل تحولاً جذرياً في العقيدة السياسية للاحتلال. فبعد أن كانت الاقتحامات تُمارس عبر جماعات استيطانية متطرفة توصف بالهامشية، أصبحت اليوم سياسة تتبناها الحكومة الإسرائيلية بشكل علني، ويقودها وزراء وأعضاء في الكنيست.

هذا التحول يشبه انتقال النار من الفتيل إلى قلب الشمعة؛ إذ لم تعد الشرطة تكتفي بحماية المقتحمين، بل باتت توفر الغطاء القانوني والميداني لأداء طقوس كانت في السابق تمنعها ظاهرياً للحفاظ على ما يسمى "الوضع القائم". إن مشاركة وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، تحمل رسائل مزدوجة: الأولى داخلية لتثبيت السيادة المزعومة، والثانية خارجية تهدف إلى تحفيز الهجرة اليهودية عبر إظهار السيطرة الكاملة على أقدس مقدسات المسلمين.

لغة الأرقام: تصعيد غير مسبوق في باحات المسجد

تعكس الإحصائيات الأخيرة حجم الهجمة الشرسة التي يتعرض لها المسجد الأقصى، حيث تحولت الأرقام إلى مؤشرات خطر تستوجب الوقوف عندها:

  • 3300 مستوطن: هو عدد المقتحمين في يوم واحد فقط خلال ما يسمى "ذكرى خراب الهيكل"، وهو الرقم الأضخم منذ سنوات.
  • 70,000 مقتحم: إجمالي عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد منذ بداية عام 2025.
  • 5,000 مستوطن: هو الهدف الذي تسعى "جماعات الهيكل" للوصول إليه في الاقتحامات الكبرى، صعوداً من 4,000 في العام الماضي.
  • تغيير ميداني: إقامة مظلات واقية من الشمس داخل الباحات للمرة الأولى، في إشارة واضحة لتعزيز البقاء وإطالة أمد الوجود الاستيطاني.

استراتيجية "الاعتياد" والرمزية الدينية

يرى الشيخ عكرمة صبري أن أخطر ما يواجهه المسجد الأقصى هو محاولة تحويل الطقوس التلمودية إلى "فعل اعتيادي". إن تكرار المشهد يومياً يهدف إلى كسر حاجز الصدمة لدى المسلمين والعالم، حتى يألف الناس رؤية الرقصات الاستفزازية ورفع الأعلام الإسرائيلية داخل المسجد.

ما يقوم به المستوطنون من حمل للحجارة (كرمزية لإعادة بناء الهيكل المزعوم) وأداء السجود الملحمي، ليس مجرد تعبير ديني، بل هو محاولة لفرض "واقع جغرافي بديل". إنهم يحاولون استنساخ تجربة المسجد الإبراهيمي في الخليل، حيث يبدأ الأمر باقتحامات زمنية، ثم ينتهي بتقسيم مكاني يغير هوية المعلم التاريخي بالكامل.

نداء الرباط: المسؤولية الجماعية تجاه المقدسات

أمام هذا الواقع المرير، يظل "شد الرحال" هو السلاح الأمضي في يد الفلسطينيين لتأكيد ارتباطهم الروحي والمادي بمسجدهم. لكن الشيخ صبري يؤكد أن العبء لا يجب أن يقع على كاهل المرابطين وحدهم؛ فالمسجد الأقصى قضية عقدية تمتد جذورها في وجدان كل عربي ومسلم.

إن المطلوب اليوم هو تفعيل الأدوات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية للضغط على سلطات الاحتلال. فالمسجد ليس مجرد أثر من الماضي، بل هو بوصلة الحاضر ورهان المستقبل. وحماية هذا الرمز تتطلب يقظة لا تنام، وعملاً يتجاوز بيانات الاستنكار إلى خطوات إجرائية تحفظ للمسجد قدسيته وهويته الإسلامية الخالصة.

خاتمة:
إن معركة المسجد الأقصى هي معركة وعي بامتياز؛ فبينما يحاول الاحتلال فرض "الاعتياد" على التدنيس، يظل الإصرار الفلسطيني والعربي على قدسية المكان هو الصخرة التي تتكسر عليها كل الأوهام التلمودية. سيبقى الأقصى شامخاً بمآذنه وقبابه، شاهداً على حق لا يزول بمرور الزمن، ولا يُمحى بقوة السلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *