الهوية الرقمية بين حقيقة النفس وتكهنات الخوارزمية
في عصرٍ تلاطمت فيه أمواج البيانات، وأصبح الفضاء السيبراني جزءاً لا يتجزأ من كينونة الإنسان، برزت معضلةٌ فكريةٌ تمس جوهر الوجود الإنساني: هل نحن ما نعلنه عن أنفسنا بلسان المقال، أم ما تستقرئه الأنظمة منا بلسان الحال؟ إن الهوية الرقمية اليوم لم تعد مجرد سطورٍ نخطها في ملفاتنا الشخصية، بل غدت كياناً موازياً تشكله الخوارزميات من شتات نقراتنا وعابر لحظاتنا.
غبش الرؤية: هل نحن ما نقول أم ما نَفعل؟
قد يزعم المرء زُهداً في شأنٍ ما، ولكنّ أثرَه الرقمي ينبئ بغير ذلك؛ فابنك الذي يَدعي عدم اكتراثه بكرة القدم، قد تفيض شاشته بمقاطعها لمجرد وقفاتٍ يسيرة عند ما أرسله صَحْبُه. وابنتك التي تلج المنصة وصلاً لرفيقاتها، ما تلبث أن يحاصرها النظام بأنماطٍ من الأزياء أو الموسيقى، حاسباً إياها ضمن اهتماماتها الأصيلة. هنا تبرز المفارقة: نحن لا نُعرَّف رقمياً بما نختاره بوعينا فحسب، بل بما تستنتجه الآلة من سكوننا وحركتنا، وكأننا نعيش في مرآةٍ تعكس ظلالنا لا ذواتنا.
لقد استقر في الأذهان أن الهوية الرقمية هي ذاك الملف الذي نملؤه بأسماءنا وأعمارنا واهتماماتنا المنتقاة، بيد أن الحقيقة أدهى؛ إذ إن الجزء الأكبر من صورتنا الرقمية يُبنى من "الآثار المنسية":
- ما الذي استوقف بصرك؟
- ما الذي تجاوزته بلمحة؟
- ما هي الكلمات التي ترددت في محركات بحثك؟
- أي محتوى استلب لبّك وأطال مكثك؟
هذه الإشارات الضئيلة تتجمع لتشكل "بروفايلاً احتمالية" يضعك في قوالب وتصنيفات لم تخترها يوماً.
حين تغدو "النقرات" مرآةً مشوهة
إن هذه القدرة التنبؤية ليست ضرباً من الخيال العلمي، بل هي واقعٌ أثبتته الدراسات الرصينة. ففي دراسة شهيرة نُشرت في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم عام 2013، أثبت "ميخال كوسينسكي" وزملاؤه أن مجرد سجلات "الإعجابات" على فيسبوك كافية للتنبؤ بسمات شخصية لم يصرح بها المستخدم (Kosinski et al., 2013). ثم تلا ذلك في عام 2015 دراسة أكدت أن النماذج الحاسوبية استطاعت تقدير سمات الشخصية بدقة تفوقت أحياناً على أحكام المقربين من الشخص نفسه (Youyou et al., 2015).
بيد أننا، من منطلق إسلامي معرفي، يجب أن نضع قيداً جوهرياً: إن هذا الاستنتاج الآلي ليس نفاذاً إلى حقيقة الإنسان، فالآلة لا تملك سبر أغوار النفس ولا الاطلاع على ملكوت الروح. إنها تبني "ظنّاً" من أنماط سلوكية، والظن لا يغني من الحق شيئاً. فالنموذج قد يخطئ ويصيب، وقد أثبتت دراسات حديثة على ملفات جوجل الإعلانية أن كثيراً من الاستنتاجات الديموغرافية كانت محدودة الدقة، وأن شعور المستخدم بأن الملف يشبهه لا يعني بالضرورة دقتها الموضوعية.
من ملكية البيانات إلى سلطة التشكيل
ينتقل الصراع هنا من دائرة "الخصوصية" (من يملك بياناتي؟) إلى دائرة "الهوية والسلطة": من يملك الحق في بناء صورة عني لم أخترها، ثم يستخدمها ليحجب عني ما يشاء ويظهر لي ما يشاء؟
لقد حذر تقرير لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية لعام 2024 (Federal Trade Commission, 2024) من توغل الخدمات الاجتماعية في جمع البيانات واستخدام الأنظمة الآلية لتخصيص المحتوى. والخطر التربوي هنا يكمن في أن الطفل قد يترك خلفه أثراً رقمياً واسعاً قبل أن يبلغ رشده أو يمتلك القدرة على فهم الصورة التي تُنسج له في خفاء الخوارزميات.
المسؤولية الرعوية في المحراب الرقمي
داخل الأسرة المسلمة، ندرك أن الإنسان يُحاسب على قصده ونيته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". والآلة تقرأ العمل ولا تقرأ النية؛ فقد يكون البحث العابر فضولاً، أو المشاهدة المتكررة ذهولاً، لكن الخوارزمية تحولها إلى "هوية".
لذا، وجب علينا كآباء ومربين أن:
- نحمي العلاقة الأسرية من منطق التصنيف الآلي: نحن نعرف أبناءنا بالصحبة الطويلة، وبمواقف الضعف والقوة التي لا ترصدها الشاشات.
- نعزز الوعي بالذات: أن يدرك الناشئ أن ما تعرضه الشاشة هو انعكاس لملف احتمالي عنه، وليس مرآة صادقة لقلبه وعقله.
- إحياء فقه النية: تعليم الأبناء أن حقيقتهم عند الله سبحانه وتعالى وبما كسبت قلوبهم، لا بما استنتجته خوارزمية صماء.
الخاتمة: الإنسان أسمى من أن يُختزل في رقم
إن الإنسان، الذي كرمه الله عز وجل ونفخ فيه من روحه، أوسع من أن تحيط به بيانات، وأعمق من أن يستوعبه نموذج إحصائي مهما بلغت دقته. إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في التخفي من الأنظمة، بل في ألا نسمح لما استنتجته الآلة عنا أن يصبح هو تعريفنا لأنفسنا.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بحقائق أنفسنا، وأن يحفظ علينا وعلى ذرياتنا هويتنا وفطرتنا التي فإنه ولي ذلك والقادر عليه.



اترك تعليقاً