هل تذرو الرياح أثر المنظمة الدولية في فلوات أفريقيا؟
في قلب القارة السمراء، حيث تلتقي رمال الصحراء الكبرى بطموحات الشعوب التواقة للانعتاق، تشهد الأمم المتحدة في الساحل تحولاً دراماتيكياً يشبه انحسار المد عن شواطئ صخرية وعرة. فبعد سنوات من الحضور العسكري الكثيف، تجد المنظمة الدولية نفسها اليوم تعيد صياغة وجودها في بيئة سياسية شديدة التعقيد، حيث لم يعد الرصاص هو اللغة الوحيدة، بل غدت "السيادة الوطنية" هي الكلمة العليا التي تتردد أصداؤها في باماكو ونيامي وواغادوغو.
لقد طوت مالي صفحة بعثة "مينوسما" (MINUSMA) التي أُسست عام 2013، بطلب حازم من الحكومة الانتقالية، ليرحل آخر جندي أممي بنهاية عام 2023. هذا الرحيل لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان إعلاناً عن ميلاد فجر جديد تتصدر فيه شعارات الاستقلال الاستراتيجي المشهد، لاسيما بعد إعلان مالي وبوركينا فاسو والنيجر خروجها الرسمي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في مطلع عام 2025، وتدشينها لـ "تحالف دول الساحل".
من القوة الضاربة إلى الدبلوماسية الناعمة
إن مغادرة القبعات الزرقاء لا تعني غياب المنظمة بالكلية، بل هو تحول من "القبضة العسكرية" إلى "اليد الممدودة" بالدبلوماسية والعمل الإنساني. تضطلع المنظمة اليوم بدورها عبر مكتب الأمم المتحدة لغرب أفريقيا والساحل (يونواس)، وهو ما يُعرف اصطلاحاً بـ "البعثة السياسية الخاصة".
هذا النوع من البعثات يشبه الطبيب الذي يكتفي بالتشخيص والنصح دون امتلاك مبضع الجراح؛ فهي بعثة مدنية بامتياز، تفتقر إلى القوات القتالية، وتركز جهودها على رتق التصدعات السياسية وتقديم المعونات التنموية. ومع تمديد ولاية "يونواس" حتى عام 2029، يبدو أن المجتمع الدولي يراهن على النفس الطويل في منطقة لا تقبل الحلول المستعجلة.
موازين القوى: الفيلق الأفريقي وحق النقض
يرى المراقبون أن نفوذ الأمم المتحدة في الساحل بات محاصراً بأسوار من القرارات السيادية الجريئة. فقد جردت دول التحالف المؤسسات الدولية من أدوات الضغط التقليدية عبر انسحابها من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، واصفة إياها بـ "أداة القمع الاستعماري الجديد".
وفي ظل هذا الفراغ، برزت القوة الروسية المعروفة بـ "الفيلق الأفريقي" كلاعب لا يمكن تجاوزه. هذا الحضور الروسي لا يقتصر على الأرض فحسب، بل يمتد ظله إلى أروقة مجلس الأمن في نيويورك، حيث يعمل "الفيتو" الروسي كدرع يحمي الأنظمة الحليفة من العقوبات الدولية. ولعل إحباط مشروع قرار تمديد العقوبات على مالي في أغسطس 2023 كان الشاهد الأبرز على تبدل موازين القوى الدولية في المنطقة.
أرقام تنطق بوجع الأرض
بينما تتصارع الإرادات السياسية، تظل الأرقام الإحصائية هي المرآة الصادقة لواقع الإنسان في الساحل، وهي أرقام تستصرخ الضمير العالمي:
- 5.6 ملايين إنسان: يواجهون خطر انعدام الأمن الغذائي الحاد في مالي وبوركينا فاسو والنيجر خلال موسم الجدب (يونيو – أغسطس).
- أزمات متداخلة: يشتبك النزوح القسري مع الجريمة المنظمة والضغوط المناخية ليشكلوا طوقاً يخنق التنمية.
- فجوة المساعدات: مع انحسار الحضور العسكري، تزداد الحاجة الماسة لتمويل البرامج الإغاثية التي ينسقها برنامج الأغذية العالمي.
نحو استراتيجية الوقاية لا رد الفعل
إن الحكمة تقتضي أن تنتقل الأمم المتحدة من دور "حافظ السلام" التقليدي إلى دور "صانع الاستقرار" عبر معالجة الجذور لا الأعراض. يدعو الخبراء إلى ضرورة تبني استراتيجيات وقائية تركز على الوساطة بين دول الساحل الحبيسة ودول الواجهة البحرية لغرب أفريقيا، بدلاً من الإصرار على تشكيل قوات خاصة قد لا تجد ترحيباً محلياً.
وصفوة القول؛ إن منطقة الساحل اليوم ليست هي التي عرفها العالم قبل عقد من الزمان. لقد استبدلت الشعوب بساط التبعية بوشاح السيادة، وبات على المنظمات الدولية أن تتعلم المشي على رمال متحركة، حيث لا بقاء إلا لمن يقدم حلولاً تحترم كرامة الدول وتلبي حاجات الجائعين. إن مستقبل الأمم المتحدة في هذه البقعة من العالم يعتمد على قدرتها على التحول من "وصي" إلى "شريك"، في رحلة بحث عن سلام لا تصنعه البنادق وحدها، بل تبنيه العدالة والتنمية.



اترك تعليقاً