انسلاخ المثقف: من فتنة الاستحواذ إلى أمانة المرابطة الحضارية

انسلاخ المثقف: من فتنة الاستحواذ إلى أمانة المرابطة الحضارية

انسلاخ المثقف: من فتنة الاستحواذ إلى أمانة المرابطة الحضارية

إنَّ المتأملَ في مآلاتِ الفكرِ العربيِّ الراهن، والمستقرئَ لمواقفِ النخبِ الثقافيةِ تجاهَ ما يحلُّ بالأمةِ من خطوب، يلحظُ بوضوحٍ حالةً من التشرذمِ والتيهِ القيمي؛ حيثُ غدا انسلاخ المثقف سمةً بارزةً في مشهدنا المعاصر. هذا الانسلاخُ ليس مجردَ تباينٍ في وجهاتِ النظر، بل هو ارتهانٌ لرؤىً حداثيةٍ واختزاليةٍ ضيقت فضاءَ الإنسانية، وأورثت تنافراً حديّاً بين أبناءِ الملةِ الواحدة.

تشرذم الرؤى والوقوع في "الفتنة القابيلية"

يقرر الفيلسوف طه عبد الرحمن أنَّ المثقفين اليومَ قد وقعوا في شتاتٍ من المواقفِ إزاءَ ما يقعُ في أمتنا من "اهتلاكٍ داخلي"، وهو ما يسميه بـ "الفتنة القابيلية"؛ تلك الفتنةُ التي تمزقُ النسيجَ الاجتماعيَّ والسياسي، وتجهزُ على كرامةِ الإنسان. إنَّ هذا التردي يرجعُ في جوهرهِ إلى خللٍ في "الرؤيةِ الكونية" التي تشكلُ إدراكنا للعالمِ ودورِ الإنسانِ فيه.

إنَّ مواجهةَ هذا التفككِ تتطلبُ ما يلي:

  • إعادةُ صياغةِ المفاهيمِ والقيمِ الحاكمةِ للتصورِ الإنساني.
  • القيامُ بفعلٍ ثقافيٍ عميقٍ يرممُ الوعيَ الجمعي.
  • الانتقالُ من حيزِ التنظيرِ المجردِ إلى فضاءِ التغييرِ الحضاري.

ماهية الثقافة: من "رأسمال الفرد" إلى "أمانة الكائن"

الثقافةُ هي المحيطُ الحيويُّ الذي تتنفسُ فيه القيمُ الحضارية، وكما عرفها المفكر مالك بن نبي، فهي: "مجموعة من الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته".

ومن هذا المنطلق، فإنَّ الثقافةَ هي "الائتمانُ على الإنسان"؛ ذلك الكائنُ الذي حملَ الأمانةَ اختياراً سبحانه وتعالى. وهنا يبرزُ الفارقُ الجوهريُّ بين المثقفِ المنسلخِ الذي يتخلى عن ثغره، وبين النخبةِ التي ترتقي إلى مقامِ "المرابطة".

تشريح "انسلاخ المثقف": غياب الوعي بالآيات

إنَّ سيادةَ الرؤيةِ "الاحتيازية" أفرزت نموذجاً مشوهاً هو "المثقف المنسلخ"، الذي غدا عائقاً أمامَ استعادةِ الأمةِ لأصالتها القرآنيةِ في حملِ الأمانةِ والشهادةِ على الناس، والاهتداءِ بهدي محمد صلى الله عليه وسلم في أن تكونَ أمتنا رحمةً للعالمين.

ويتميز هذا المنسلخُ بجملةٍ من الانحرافاتِ الفكرية:

  1. التعامي عن الآيات التكوينية: وهي الآياتُ المنطويةُ في ذاتِ الإنسانِ بوصفهِ كائناً مكرماً وعالمياً.
  2. الغفلة عن الآيات التكليفية: وهي مقتضياتُ ائتمانِ الإنسانِ على نفسهِ وعلى سائرِ الكائناتِ بروحِ المؤانسةِ والمعالمة.
  3. الخيانة الثلاثية: حيث يقعُ في خيانةِ الثقافة، وخيانةِ الإنسان، وخيانةِ العوالمِ المرتبطةِ به.

الرؤية الاحتيازية وجذور الصراع

إنَّ مأساةَ انسلاخ المثقف تكمنُ في "رؤيتهِ للعالم"؛ فهي رؤيةٌ تحجبهُ عن إدراكِ القيمِ الواجبة، وتجعلُ علاقتهُ بالأشياءِ قائمةً على السعيِ للتملكِ والاستحواذ. في هذا المنظورِ الضيق، يصبحُ العقلُ نفسهُ مِلكاً، والحقُّ والعدلُ والحريةُ مجردَ ممتلكاتٍ خاضعةٍ للمساومةِ والنزاع.

وهذا ما نبهَ إليه العلامة ابن خلدون في مقدمته، حين قرر في "الفصل الأول من الكتاب الأول: في العمران البشري على الجملة، وفيه مقدمات"، أنَّ الاجتماعَ ضروريٌّ للإنسانِ بالطبع، ولكن لا بد له من وازعٍ دينيٍّ أو سلطانيٍّ يمنعُ التنازعَ بين الناسِ في شؤونِ معاشهم.

الخاتمة: نحو فجر "المثقف المرابط"

إنَّ تجاوزَ عوائقِ النهضةِ يفرضُ علينا إيجادَ جيلٍ من المثقفين يستمدون رؤيتهم من مشكاةِ الوحيِ لا من أهواءِ المادة. إنَّ علاجَ انسلاخ المثقف لن يكونَ إلا بالتحولِ الجذريِّ من "النظرةِ الاحتيازية" المفضيةِ إلى القتلِ والفتنة، إلى مقامِ "المثقف المرابط" الذي يحرسُ القيمَ ويصونُ الأمانة.

نسألُ اللهَ عز وجل أن يبصرنا بحقائقِ الأشياء، وأن يجعلَ علمنا حجةً لنا لا علينا، وأن يوفقَ نخبنا لما فيه صلاحُ البلادِ والعباد، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *