مقدمة: في رحاب الحقيقة الكبرى
إنَّ من أعظم نِعَمِ اللهِ -عز وجل- على الإنسان في دار الابتلاء أن جعل لبصرهِ مَدىً محدوداً، ونطاقاً مرسوماً لا يتعداه، ليتسنى له العيش في هذا العالم وفق نواميس المادة. بيد أنَّ ثمة لحظةً فارقةً، هي منتهى الأجل ومبتدأ الأزل، يقع فيها ما يُعرف بـ كشف الغطاء عند الموت، حيث ينتقل البصر من حيز الضيق الدنيوي إلى سعة الملكوت، فيرى المرءُ ما لم يكن يراه، ويوقن بما كان عنه غافلاً.
قيدُ الضوءِ وحكمةُ الاستتار
تقتضي حكمة الخالق -سبحانه وتعالى- أن تعمل العين البشرية وفق قوانين الفيزياء؛ فهي تدرك الأجسام بانعكاس الضوء عنها أو انبعاثه منها، ولذا يغشاها العجز في الظلام الدامس. إنَّ هذا القصور البصري ليس نقصاً، بل هو حجابٌ ضروري؛ فلو كُشف للإنسان ما وراء المادة لعجز عن ممارسة حياته. ومن هنا، استترت الملائكة والجن عن الأبصار، مثلما استترت الميكروبات الدقيقة والأجرام السحيقة عن العين المجردة، ليبقى الإيمان بالغيب هو المحك والاختبار.
كشف الغطاء عند الموت: نفاذُ البصرِ إلى الملكوت
حين تدنو ساعة الرحيل، وتتأهب الروح لمغادرة جسدها، يتجلى البيان الإلهي واصفاً حال العبد في تلك اللحظات المهيبة؛ يقول الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: الآية 22].
إنَّ في قوله تعالى (حَدِيدٌ) دلالةً قاطعة على القوة والنفاذ والحدة؛ فالبصر الذي كان محجوباً بستر الدنيا المادي، يصبح في تلك اللحظة ثاقباً يخترق الحجب، فيرى الحقائق عياناً بلا ريب. وقد ذهب الإمام الماتريدي في كتابه “تأويلات أهل السنة” إلى أنَّ معنى {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ} أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له، وقوله {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} أي: ثاقباً نيراً يبصر الحق.
الشخوصُ المهيب: تَبَعِيَّةُ البصرِ للروح
إنَّ اتساع نطاق الرؤية وقت الاحتضار ليس مجرد انتقال فكري، بل هو واقعٌ حسي يشهد عليه الجسد؛ فقد جاء في الحديث النبوي الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: "إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ" [صلى الله عليه وسلم].
وهي إشارة نبوية بليغة إلى أنَّ العين تظل شاخصة، ترقبُ صعود الروح، وتتبعُ أمراً عظيماً يتراءى لها في تلك اللحظات الخاطفة. وهذا الذهول الذي يعتري البصر، وما يرافقه من صدمةٍ دماغيةٍ رصدها العلم حديثاً لثوانٍ معدودة، ما هو إلا انعكاسٌ لرؤية عالم "اللامسموح" الذي فُتحت أبوابه فجأة أمام بصرٍ صار حديداً.
ثمرات الإيمان والدروس المستفادة
- نعمة الحجاب الدنيوي: إنَّ حصر البصر في نطاقٍ محدود في الدنيا هو رحمة من الله -عز وجل-، ليعيش الإنسان حياته بطمأنينة مؤمناً بوجود الملائكة والجن غيباً.
- يقين المؤمن: العبد المؤمن الذي عاش حياته موقناً بالغيب، يجد عند كشف الغطاء ما يسره؛ حيث تحفه ملائكة الرحمة، وتتجلى له بشائر الرضوان، فتخرج روحه هادئة مطمئنة.
- حسرة الجاحد: في المقابل، يرى المشكك في عالم الغيب كل ما كان ينكره، فترتسم على محياه علامات الوجوم والذهول مما يراه من حقائق لم يعد ينفع معها ندم.
الخاتمة: بصيرةٌ قبل فوات الأوان
إنَّ رحلة البصر من حجب الدنيا إلى يقين الموت هي رحلة الانتقال من "العلم" إلى "العين"؛ فما نؤمن به اليوم غيباً، سنراه غداً يقيناً. فالسعيد من أبصر بقلبه نور الحق قبل أن يُكشف عن بصره الغطاء، والموفق من استعد لتلك اللحظة التي يرتد فيها البصر شاخصاً نحو السماء. اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، واجعل بصرنا عند الموت شاهداً لنا بالبشرى والرضوان.



اترك تعليقاً