بضاعة مزجاة: سر الاستعطاف الإلهي في ختام مواسم الطاعات

# بضاعة مزجاة: كيف نقف على عتبات الرجاء في ختام مواسم الفضل؟

يمر الزمان، وتنقضي الأيام، وتطوى صفحات مواسم الخيرات كأنها حلم عابر، وبينما يودع المؤمنون تلك اللحظات المباركة، تتنازع النفوس مشاعر شتى؛ بين فرح بتمام النعمة، ووجل من التقصير في حق المنعم. وفي غمرة هذا الشعور بالانكسار، تبرز لنا من بين ثنايا القصص القرآني عبارة تهز الوجدان، وتفتح أبواب الأمل حتى لمن رأى في عمله عجزاً وقصوراً، وهي قوله تعالى على لسان إخوة يوسف: “وجئنا ببضاعة مزجاة”.

إنها عبارة ليست مجرد وصف لحال مادي، بل هي فلسفة كاملة في كيفية مخاطبة الخالق حين تعجز الأفعال عن بلوغ مقام الرضا، وكيف يستجلب العبد الضعيف رحمة ربه بصدق الافتقار وعظيم الرجاء.

مشهد الاستعطاف في ظلال سورة يوسف

حينما اشتد الكرب بإخوة يوسف عليه السلام، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وجف الزرع وانقطع القطر، لم يجدوا بداً من العودة إلى مصر، إلى ذلك العزيز الذي يملك القوت والمدد. دخلوا عليه وهم لا يعرفون أنه أخوهم الذي تآمروا عليه يوماً، دخلوا بقلوب منكسرة وحاجة ماسة. لم يكن معهم من الثمن ما يوازي قيمة القمح الذي يطلبونه، فما كان منهم إلا أن وصفوا حالهم بصدق وشفافية فقالوا: “يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة”.

لقد كان الاعتراف بالضعف هو مفتاح الفرج. لم يدعوا القوة، ولم يتظاهروا بالغنى، بل وضعوا بضاعتهم الرديئة أمام العزيز، واستعطفوه بكلمات تذيب الصخر. هذا المشهد البشري يختصر لنا المسافة بين العبد وربه؛ فإذا كان يوسف عليه السلام -وهو بشر- قد رق قلبه لهؤلاء الذين آذوه لمجرد أنهم أظهروا فاقتهم وبضاعتهم المزجاة، فكيف برب يوسف وهو أرحم الراحمين؟

ما هي البضاعة المزجاة؟ (تحليل لغوي وإيماني)

في اللغة، “المزجاة” هي الشيء الذي يُدفع دفعاً لهوانه وردائته. يقال بضاعة مزجاة أي بضاعة كاسدة، رديئة، لا يقبلها التجار في العادة إلا على سبيل التفضل والمروءة. إخوة يوسف لم يأتوا بذهب خالص، ولا بفضة وازنة، بل أتوا بأشياء زهيدة، ربما كانت دراهم رديئة أو متاعاً لا قيمة له في سوق التجارة الرابحة.

إيمانيا، “البضاعة المزجاة” هي كل عمل صالح نرفعه إلى الله وهو مشوب بالنقص. هي تلك الصلاة التي لم يخشع فيها القلب تمام الخشوع، هي ذلك الصيام الذي لم تسلم فيه الجوارح تماماً من اللغو، هي تلك الصدقة التي خالطها شيء من الرياء أو المنّ، هي الأذكار التي قيلت بلسان لاهٍ وقلب غافل. إننا في ختام مواسم الطاعات، ندرك يقيناً أن أعمالنا -مهما كثرت- تظل في ميزان جلال الله “بضاعة مزجاة” لا تليق بمقامه العظيم.

الانكسار بين يدي العزيز: أدب المفتقرين

حين قال إخوة يوسف: “فأوف لنا الكيل وتصدق علينا”، جمعوا بين مطلبين عظيمين:
1. الوفاء بالكيل: طلبوا أن يعاملهم بالكمال رغم نقص بضاعتهم.
2. التصدق: طلبوا الزيادة فوق الحق، وهو مقام الإحسان.

وهكذا هو حال المؤمن في مناجاته لربه. نحن لا ندخل على الله بأعمالنا، بل ندخل عليه بفقرنا. إن أعظم ما يقدمه العبد بين يدي الله في ختام مواسم الطاعات هو “الافتقار”. فالعمل قد يورث الكبر والعجب، أما الانكسار فلا يورث إلا القبول. إن القلوب التي تعترف بـ “بضاعتها المزجاة” هي القلوب التي تستحق أن يُوفى لها الكيل.

مقاربة بين رحمة البشر ورحمة رب البشر

تأمل في رحمة يوسف عليه السلام؛ لقد رق لحال إخوته، ودمعت عيناه، وعفا عنهم، وأكرم نزلهم، وأعطاهم سؤلهم، بل وزادهم بأن جمع شملهم بأبيهم. كل هذا الجود صدر من قلب بشر، فكيف بقلب ملك الملوك؟

إن الله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يقر بتقصيره. في الحديث القدسي، يقول الله تعالى: “يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم”. إن الله لا ينتظر منا كمالاً مطلقاً، فهو يعلم ضعفنا ونقصنا، ولكنه ينتظر منا صدق الإقبال، والاعتراف بالعجز، وتقديم ما استطعنا من “بضاعة” وإن كانت مزجاة.

بضاعتنا في ختام رمضان: ميزان النقص والكمال

حين ينقضي شهر رمضان، وننظر في صحائف أعمالنا، ماذا نجد؟

  • نجد صياماً خرقته نظرة، أو كلمة، أو غفلة.
  • نجد قياماً تثاقلت فيه الأقدام، وشردت فيه الأذهان.
  • نجد تلاوة لم تتجاوز الحناجر في كثير من الأحيان.
  • نجد جهداً شحيحاً، وبضاعة مخلوطة بذنوب الخلوات وهفوات اللسان.
  • إننا نأتي يا ربنا بشهرنا وليس معنا ما نعتمد عليه من العمل فيه. نأتي بشيء حقه الرد والكساد، نأتي مفاليس، أيدينا خالية من عمل يبيض الوجوه، وأوعيتنا مقفرة ليس فيها إلا اليسير. ولكننا، رغم هذا النقص، نقف ببابك وقفة إخوة يوسف بباب العزيز، ونقول بلسان الحال والمقال: “يا رب.. جئنا ببضاعة مزجاة”.

    فأوف لنا الكيل: الطمع في سعة فضل الله

    إن طلب “وفاء الكيل” من الله هو طمع في كرمه الذي لا يحده حد. نحن نسأل الله ألا يحاسبنا بعدل الميزان، بل بفضل الإحسان. نسأله أن يجبر كسر صيامنا، ويتم نقص قيامنا، ويجعل القليل من جهدنا كثيراً في ميزانه.

    إن الله تعالى شكور، ومن شكره أنه يقبل اليسير ويعطي الكثير. هو الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ويبدل السيئات حسنات لمن أقبل عليه منكسراً. فإذا كانت بضاعتنا مزجاة، فإن خزائنه ملأى، وجوده لا ينقطع.

    وتصدق علينا: مقام الإحسان الإلهي

    الصدقة من الله هي العطاء بلا مقابل، وهي العفو بلا سابقة عتاب. حين نقول “وتصدق علينا”، فنحن نناشد صفة الكرم المطلق في الذات الإلهية. تصدق علينا يا رب بالقبول، وتصدق علينا بالعتق من النيران، وتصدق علينا بمرافقة النبيين والصديقين والشهداء.

    إن العبد الذي يدرك حقيقة عمله، يدرك أنه لا يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته. ومن هنا كانت المناجاة بالصدقة الإلهية هي أعلى مراتب العبودية، لأنها تجريد للتوكل والاعتماد على الله وحده، وإسقاط لرؤية العمل.

    الخاتمة: دعاء المفتقرين بـ “البضاعة المزجاة”

    في ختام هذه الرحلة الوعظية، لا يسعنا إلا أن نرفع أكف الضراعة لرب يوسف، قائلين:

  • يارب! جئنا بعمل قليل معيب، وقيام ركعات زهيدة، وجهد شحيح.
  • يارب! بضاعتنا مخلوطة بالذنوب، وليس معنا ما نعتمد عليه إلا حسن ظننا بك.
  • يارب! أيدينا خالية، وأوعيتنا مقفرة، فاجبر كسرنا.
  • يارب! فأوف لنا كيل الأجور بفضلك، وعاملنا برحمتك كما تعامل أولياءك وخلص عبادك.
  • يارب! اقبل قليل عملنا بكرمك وجودك، وتصدق علينا بمغفرة تمحو بها كل ما مضى.

إن بضاعتنا وإن كانت مزجاة، فإن رجاءنا فيك لا ينقطع، وثقتنا في جودك هي رأس مالنا. فتقبل منا، وأوف لنا الكيل، وتصدق علينا، إنك أنت الوهاب.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *