بمبلغ خيالي.. كيف وصل «بيت الأسقف» التاريخي في القدس إلى المزادات الإسرائيلية؟

بمبلغ خيالي.. كيف وصل «بيت الأسقف» التاريخي في القدس إلى المزادات الإسرائيلية؟

«بيت الأسقف» في شارع الأنبياء: صرخة تاريخية من قلب القدس المحتلة

في مشهدٍ يجسد حجم المأساة التي تتعرض لها الهوية المعمارية لمدينة القدس، عُرض مؤخراً أحد أبرز العقارات التاريخية في المدينة، المعروف بـ "بيت الأسقف"، للبيع عبر شركة إسرائيلية بمبلغ فلكي يصل إلى 17.4 مليون دولار أمريكي. هذا العقار ليس مجرد بناء، بل هو شاهد عيان على تحولات سياسية وعمرانية بدأت منذ أواخر العهد العثماني.

الجذور التاريخية: كيف فُتح الباب أمام الأطماع الاستعمارية؟

تعود جذور القضية إلى القرن التاسع عشر، وتحديداً خلال فترة حكم محمد علي باشا لبلاد الشام (1831-1841)، حيث بدأت القوى الغربية في الحصول على امتيازات وصلاحيات لشراء الأراضي في القدس.

تفاقم الوضع بعد هزيمة العثمانيين في حرب القرم عام 1856، مما اضطر الدولة العثمانية لسن قانون عام 1869 يسمح للأجانب بالتملك. ومن هنا، بدأت البعثات "التبشيرية" والقنصليات الأوروبية في تشييد مبانٍ ذات طابع غربي، كان من بينها الأرض التي أقيم عليها "بيت الأسقف" في شارع الأنبياء.

المعمار العربي: بصمة بيت لحم في قلب القدس

رغم صبغة الملكية الأجنبية، إلا أن روح البناء ظلت عربية بامتياز. يوضح الباحث المقدسي إيهاب الجلاد أن التصميم المعماري للعقار يعكس نمط القصور الفلسطينية في القرن التاسع عشر:

  • نظام المِجوِز: تميز البناء بنوافذ مزدوجة تعلوها أقواس لحماية الهيكل وتوزيع الأحمال.
  • الحجر الوردي: جُلبت حجارة المبنى من مدينة بيت لحم، المعروفة بجودتها ولونها الأحمر المائل للوردي.
  • الأيدي العاملة: شُيّد المبنى على يد حجّارين وبنّائين عرب، مما جعله مزيجاً فريداً بين العمارة المحلية المحدثة والطابع الأوروبي الوافد.

شارع الأنبياء: شريان القدس المهدد

يقع العقار في شارع الأنبياء، وهو أحد أقدم الشوارع خارج أسوار البلدة القديمة. هذا الشارع ليس مجرد ممر، بل هو حلقة وصل تاريخية:

  1. تعدد المسميات: عُرف قديماً باسم "شارع المستشفيات" و"شارع القنصليات" نظراً لتركز البعثات الدولية فيه.
  2. مركز النشاط البروتستانتي: جذب الشارع الشخصيات المؤثرة مثل المهندس الألماني "كونراد شيك".
  3. أهمية استراتيجية: يمتد الشارع بمحاذاة الخط الفاصل بين شطري المدينة، مما يجعله اليوم من أكثر المناطق طلباً وقيمة عقارية.

العقار اليوم: مزاد على التاريخ

وفقاً لتقرير صحيفة "هآرتس"، يوصف العقار بأنه "استثنائي" نظراً لمساحته الشاسعة في منطقة يمنع فيها تقسيم المباني الكبيرة إلى شقق صغيرة. هذه القيود الصارمة، التي تهدف ظاهرياً للحفاظ على التراث، جعلت من العقار فرصة نادرة للمستثمرين، لكنها في الوقت ذاته تضع تاريخ المدينة في مهب الريح.

إن عرض "بيت الأسقف" للبيع بهذا المبلغ الخيالي ليس مجرد صفقة عقارية، بل هو فصل جديد من فصول الصراع على هوية القدس، حيث يتحول التراث العربي والإرث العثماني إلى سلع في مزادات القوى المحتلة.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *