أبرز النقاط:
- تحول مستشفى "الشرق الأوسط" المهجور منذ 30 عاماً إلى مركز إيواء طارئ في بيروت.
- المبنى يضم حالياً أكثر من 550 نازحاً فروا من مناطق النزاع والقصف.
- غياب مقومات الحياة الأساسية دفع العائلات لتقاسم الغرف وإصلاح البنية التحتية بجهود ذاتية.
- مبادرة نسائية لتأسيس مطبخ جماعي بهدف تأمين الوجبات وضمان سلامة الغذاء.
- منظمة أطباء بلا حدود تتدخل لإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي المتهالكة.
من أروقة العلاج إلى ملاذات النجاة
في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، يستعيد مبنى "مستشفى الشرق الأوسط"، الصامت منذ ثمانينيات القرن الماضي، حياة من نوع آخر. لم تعد ممراته تشهد حركة الأطباء والممرضين، بل تحولت إلى فضاء مزدحم بمئات العائلات النازحة التي قذفت بها الحرب بعيداً عن منازلها، ليصبح المستشفى المهجور ملاذاً مؤقتاً يختلط فيه ألم الفقد بإرادة البقاء.
المبنى الذي ظل مهجوراً لنحو ثلاثة عقود، فُتحت أبوابه تحت ضغط الحاجة الماسة مع تصاعد موجات النزوح من جنوب لبنان ومناطق أخرى جراء القصف المستمر. وتصف أميرة، إحدى القائمات على تنظيم السكن في المركز، لحظة الوصول الأولى بأنها كانت "فوضوية وثقيلة"، حيث كان المكان يفتقر لأدنى مقومات الحياة، مما اضطر النازحين لصناعة فضاءاتهم الخاصة من الصفر.
صراع اليوميات في غرف منسية
يضم المبنى اليوم أكثر من 550 شخصاً، يتوزعون على غرف كانت يوماً ما أجنحة طبية. تروي العائلات كيف تقاسمت أكثر من أسرة الغرفة الواحدة، وكيف انخرط الجميع في حملات تنظيف جماعية لإزالة غبار العقود. ورغم هذه الجهود، تظل الأزمات الخدمية تلاحقهم؛ فإمدادات المياه لا تصل إلا لفترات محدودة، والكهرباء تدار بإمكانات شحيحة تعتمد على التبرعات والمساهمات الرمزية من السكان.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المبنى ينقسم إلى عالمين؛ سبعة طوابق تم تأهيلها تدريجياً لتصبح صالحة للسكن، بينما تظل الطوابق العليا (من الثامن حتى الثاني عشر) مناطق معزولة تغرق في الإهمال وتفتقر للكهرباء والمياه، وكأنها خارج حدود الزمن.
"مطبخ الكرامة": مبادرات نسائية لمواجهة العجز
وسط هذا المشهد القاسي، برزت مبادرة نسائية تقودها النازحة جميلة شبلي وزميلاتها، حيث حولن ركناً خدمياً ضيقاً إلى مطبخ حيوي. لا تقتصر مهمة هذا المطبخ على إعداد الطعام فحسب، بل يمثل محاولة لاستعادة الاستقرار النفسي وضمان جودة ما يتناوله الأطفال بعيداً عن قلق الوجبات الجاهزة.
وتؤكد الفتيات المتطوعات أن المطبخ يعتمد كلياً على جهود ذاتية ومواد أساسية محدودة، حيث يسابقن الزمن لتأمين وجبة غداء واحدة يومياً، في ظل نقص حاد في حليب الأطفال والحفاضات والمستلزمات الضرورية، مما يجعل كل وجبة بمثابة "معركة كرامة" للحفاظ على ما تبقى من حياة.
تدخلات إنسانية لترميم البنية التحتية
على الصعيد الإنساني، تدخلت منظمة أطباء بلا حدود لمحاولة احتواء الأزمة الصحية والبيئية داخل المبنى. وأوضح محمد دندش، المدير اللوجستي للمنظمة في بيروت، أن الفرق الميدانية بدأت منذ منتصف مارس الماضي عمليات تأهيل شاملة شملت تركيب خزانات مياه بسعة إجمالية تصل إلى 18 ألف لتر.
وشملت خطة التدخل صيانة تدريجية لشبكات الصرف الصحي والحمامات المتهالكة من الطابق السابع وصولاً إلى الأرضي، بالإضافة إلى توزيع مستلزمات النظافة الشخصية. ورغم هذه التدخلات، يبقى الواقع داخل المستشفى المهجور انعكاساً لمأساة إنسانية أعمق، حيث يتحول "السكن" إلى مجرد محاولة يومية للتكيف مع واقع فرضته الحرب.



اترك تعليقاً