تجليات الحرف العربي في مرآة الاستشراق: قراءة في مشاهدات الرحالة جمس بكنغهام

تجليات الحرف العربي في مرآة الاستشراق: قراءة في مشاهدات الرحالة جمس بكنغهام

تجليات الحرف العربي في مرآة الاستشراق: قراءة في مشاهدات الرحالة جمس بكنغهام

لقد ظل الخط العربي، بجماله الأخاذ وهيبته الروحية، نافذةً أطلّ منها الرحالة الغربيون على جوهر الحضارة الإسلامية، فلم يكن الحرف لديهم مجرد أداة للتدوين، بل كان آيةً من آيات الفن الهندسي الذي يجمع بين الجلال والجمال. إن المتأمل في تاريخ الفنون الإسلامية يدرك أن هذا الخط هو وعاء الوحي الشريف، وقد قيض الله (عز وجل) لهذا الفن من يتذوقه حتى من غير أبنائه، فغدا الخط العربي في كتابات الرحالة محوراً رئيساً يعكس انبهارهم بدقة التنسيق وعظمة الإبداع.

جمس بكنغهام: رحالةٌ في رحاب الشرق

يبرز اسم الرحالة الإنجليزي جمس سلك بكنغهام (1786-1855م) كأحد الوجوه التي طوفت في بلاد المسلمين بعينٍ فاحصة. ولد بكنغهام في أحضان الطبيعة الإنجليزية، لكن شغفه بالبحر والترحال قاده إلى الهند، حيث أسس "صحيفة كلكتا" التي كانت صوتاً للحق والإنصاف، مما جلب عليه سخط السلطات الاستعمارية البريطانية التي ضاقت ذرعاً بنقده.

اغتنم بكنغهام فترات إجازاته ليرحل نحو ديار الإسلام، فكانت مصر وفلسطين والأردن وسوريا والعراق محطاتٍ في مسيرته التي وثقها في مجلدات ضخمة، لعل أبرزها "رحلات في بلاد ما بين النهرين" و"رحلات في أشور وميديا وإيران".

عبق التاريخ على جدران بغداد

حين دخل بكنغهام بغداد، لم تكن عيناه لتقع على مجرد أبنية، بل كانت تقرأ سفراً خالداً من الخط العربي المنقوش على الأسوار والمآذن. ومن أبرز ملاحظاته:

  • نقوش الأبراج: وصف الكتابات المستطيلة التي تزين برجي سور بغداد، مشيراً إلى أنها خُطت بأحسن خط عربي قديم، وتعود لعصر الخليفة الناصر سنة 618 للهجرة.
  • عتبات الحوانيت: لاحظ ظاهرة فريدة في أسواق بغداد، حيث تعلو كل حانوت أشرطة من الكتابات العربية القديمة المحفورة بحروف كبيرة، مما يضفي على السوق طابعاً قدسياً يشبه أجواء المساجد.
  • المآذن والقباب: استوقفته مئذنة جامع "سوق الغزل" وجامع "الخلفاء"، حيث وصف النقوش العربية المدهشة التي قاومت عوادي الزمن، مشيراً إلى دقة الكتابات التي تطوق قواعد القباب المزينة بالكاشي الملون.

الخط الكوفي: هندسة الحرف وجلال المعنى

أبدى بكنغهام إعجاباً خاصاً بالخط الكوفي، واصفاً إياه بأنه خط "يابس مستقيم الحروف حاد الزوايا"، وهو ما يمنحه صبغة هندسية فريدة. وقد رصد هذا الخط في مواضع عدة:

المدرسة المستنصرية

تحدث بكنغهام بإسهاب عن واجهة المدرسة المستنصرية، واصفاً إفريزها العلوي الذي يضم كتابة مستطيلة بالخط الكوفي منقوشة على الآجر، تمتد لمسافة مائتي قدم، وهي توثق لبناء هذا الصرح العلمي في عهد الخليفة المستنصر سنة 630 للهجرة.

جامع مرجان وعقرقوف

وصف جامع مرجان بأنه تحفة معمارية، حيث تزدان واجهته بنقوش عربية غنية، وتلتف الكتابات بشكل لولبي على أعمدته. كما رصد في منطقة عقرقوف كتابات كوفية بارزة في المستشفيات القديمة، واصفاً إياها بأنها صيغ زخرفية غاية في الجمال.

المصحف الشريف وجمال الخط

في لفتة إنسانية وإيمانية، ذكر بكنغهام أن أحد الدراويش أهداه نسخة من القرآن الكريم، ورغم صغر حجمها المتناهي، إلا أن قراءتها كانت ميسرة بفضل جودة الخط ووضوحه، مما يؤكد أن الخطاط المسلم كان يضع تقوى الله (عز وجل) نصب عينيه وهو يخط كلامه سبحانه، فيجعل من الحرف الصغير آية في الوضوح والبيان.

الخاتمة: الحرف الذي لا يموت

إن ما دونه بكنغهام ليس مجرد وصف لرحالة، بل هو شهادة تاريخية على أن الخط العربي كان وما يزال هوية بصرية وحضارية للأمة الإسلامية. لقد أدرك هذا الرحالة أن سر جمال هذه البلاد يكمن في تلك الحروف التي تعانق السماء على المآذن، وتزين عتبات البيوت، وتُحفظ في صدور المصاحف. نسأل الله (سبحانه وتعالى) أن يحفظ لغتنا وهويتنا، وأن يجعلنا ممن يعظمون شعائره، فالحرف العربي سيبقى أبداً شامةً في جبين الزمان، وشاهداً على حضارةٍ قامت على العلم والبيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *