تجليات الوعي الإنساني بين وحدة الفطرة وتعدد الأساطير: قراءة في فكر الدكتور أيوب أبودية
لو تأملنا ملكوت الله في أرضه، لوجدنا البشرية في ظاهرها شتاتاً من الأمم والقبائل، تفرقها اللغات وتحدها الجغرافيا، كما قال سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} (الروم: 22). غير أننا لو نفذنا إلى أعماق الروح الإنسانية، لوجدنا لغة خفية توحد هذا الشتات، وتكشف عن وحدة في المصدر وتعدد في المظهر، وهي ما نطلق عليه في سياقنا هذا الأساطير والوعي البشري.
إن الأسطورة، في جوهرها العلمي الرصين، ليست مجرد أضغاث أحلام أو تخرصات بدائية، بل هي بمنزلة "اللبنات البنائية" للوعي الجمعي، والهيكل الحامل الذي استندت إليه صروح الحضارات الغابرة. وهذا ما يسبر أغواره الدكتور أيوب عيسى أبودية في كتابه الماتع: "الأساطير: تنوع أم تكامل؟" الصادر عن دار ميسلون.
هندسة المعنى وفلسفة المبنى: عن المؤلف وكتابه
يقدم الدكتور أيوب أبودية في هذا السفر رؤية فريدة، تمزج بين دقة المهندس المدني الذي يبحث عن الأنماط البنيوية، وعمق الفيلسوف الذي يستنطق الدلالات الوجودية. فالمؤلف، الذي ولد في عمان عام 1955م، يحمل في جعبته العلمية مزيجاً نادراً؛ فهو رئيس جمعية حفظ الطاقة وعضو لجنة الحوار الفلسفي في اليونسكو، وصاحب براءات اختراع وجوائز دولية.
تتجلى في كتابه هذه النظرة المزدوجة، حيث يعامل الأسطورة كبناء معماري له ركائز خفية، مستنداً إلى مسيرة فكرية حافلة بمؤلفات ناقشت تاريخ العلم، والبيئة، والحجاب في التاريخ، وعمالقة الفكر الفلسفي.
ماهية الأسطورة: بين الحقيقة التاريخية والخيال المجنح
ينطلق الكتاب من ضبط منهجي دقيق لمفهوم الأسطورة، مقسماً إياها إلى ثلاثة مسارات:
- الواقع المحوّر: كقصص الساموراي التي بدأت من حقائق تاريخية ثم ألبست ثوب الخيال.
- الخرافة المحضة: وهي الأحاديث الملفقة التي لا أصل لها في واقع أو نقل.
- الواقعة المحرفة: وهي أحداث وقعت فعلاً، لكن طرأ عليها التغيير والتبديل عبر الأزمان.
هذا التمييز هو المفتاح الذي يحفظ الباحث من الزلل، فلا يصدق الأوهام صدقاً ساذجاً، ولا ينكر الحقائق التاريخية الملبسة ثوب الخيال إنكاراً جاحداً.
وحدة الطوفان: صدى النبوة في ذاكرة الشعوب
من أعجب ما يتوقف عنده الكتاب هو التشابه المذهل بين أساطير الحضارات التي لم تلتقِ قط. فقصة "الطوفان الكبير" نجدها في ملحمة جلجامش البابلية، وفي أساطير الهنود الحمر، وشعوب المحيط الهادئ.
وهنا، لا يملك المفكر الإسلامي إلا أن يربط هذا التشابه بما قرره القرآن الكريم من قصة نوح عليه السلام، فهي الحقيقة الكبرى التي انطلقت منها ذاكرة البشرية، كما قال عز وجل: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} (العنكبوت: 15). فما يراه الأنثروبولوجيون "أنماطاً أصلية"، نراه نحن صدى لرسالات الأنبياء التي بقيت آثارها في وجدان الشعوب وإن شابها التحريف.
اللاوعي الجمعي: هل هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها؟
يستحضر الدكتور أبودية مفهوم "اللاوعي الجمعي" لكارل يونغ، و"البنيوية" لليفي شتراوس، لتفسير وحدة الرموز الإنسانية. إن هذه "النماذج الأصلية" التي تظهر في أحلام الشعوب وأساطيرها، تشير بوضوح إلى أن العقل البشري يمتلك بنية فطرية واحدة.
ويمكننا تأصيل ذلك إيمانياً بأنها "الفطرة"، كما ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ…" (رواه البخاري ومسلم). فهذه الوحدة في التفكير والاحتياج إلى "المنقذ" أو "المبدئ" ليست إلا انعكاساً لما غرس في النفس البشرية من تطلع للخالق سبحانه وتعالى.
من الميثولوجيا إلى الفلسفة: رحلة العقل الإنساني
يرى الكتاب أن الأسطورة لم تكن مرحلة جهل محضة، بل كانت الطور الأول لتطور الفكر. فمن رحم ميثولوجيا الكون عند هوميروس، ولدت تساؤلات الفلاسفة الأوائل عن المادة الأولى للكون.
لقد كانت الأسطورة تحاول الإجابة عن أسئلة الوجود الكبرى:
- من أين جئنا؟
- ما كنه الموت والبعث؟
- ما هي القوى التي تدير هذا الكون؟
خاتمة: وحدة الحلم في عالم ممزق
إن كتاب "الأساطير: تنوع أم تكامل؟" يخلص إلى حقيقة إيمانية وفكرية عميقة؛ وهي أن البشر، رغم صراعاتهم الظاهرة، يحلمون الحلم ذاته، ويبحثون عن الحقيقة ذاتها بأصوات مختلفة. إنها "وحدة في التنوع" تثبت أن الإنسان، في أصله وفطرته، أكثر وحدة مما تفرقه السياسة والحروب.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.



اترك تعليقاً