ترنيمةُ الشوقِ الخالدة: قراءةٌ في سيرةِ البرعيِّ وقصيدتِهِ “يَا رَاحِلِينَ إِلَىٰ مَنًى”

ترنيمةُ الشوقِ الخالدة: قراءةٌ في سيرةِ البرعيِّ وقصيدتِهِ “يَا رَاحِلِينَ إِلَىٰ مَنًى”

مقدمة: أريجُ الحنينِ في ركابِ الحجيج

مع إشراقةِ شمسِ ذي الحجة، وحين تشرئبُّ الأعناقُ نحو البيتِ العتيق، وتضجُّ الفجاجُ بالتلبيةِ والتهليل، تنبعثُ من ذاكرةِ الأمةِ أصداءُ واحدةٍ من أبلغِ القصائدِ وجداناً وأعمقِها أثراً؛ إنها قصيدة يا راحلين إلى منى، تلك الدرةُ اليتيمةُ التي صاغها الشاعرُ الفقيهُ عبدُ الرحيمِ البرعيُّ قبلَ ما يزيدُ على ستةِ قرونٍ هجرية. لقد كُتب لهذه الأبياتِ القبولُ في الأرض، فصارت هجّيّرَ الركبانِ، وزادَ الأرواحِ الظامئةِ إلى رحابِ مكةَ والمدينة، وظلت حيةً غضةً كأنما نُظمت بمدادِ القلبِ في صبيحةِ يومنا هذا.

الإمامُ البرعي: جلالُ العلمِ وجمالُ البيان

يُعدُّ عبدُ الرحيمِ البرعيُّ قامةً سامقةً في تاريخِ الفكرِ والأدبِ الإسلاميِّ في اليمنِ السعيد. هو العالمُ الذي زاوجَ بين دقةِ الفقيهِ وتحليقِ الشاعر، فجاءت قصائدُه مدرسةً في السلوكِ والتربيةِ الروحية. ينتسبُ المترجمُ له إلى جبلِ "بُرَع" الشامخِ بتهامة، حيث نهلَ من معينِ العلمِ واللغةِ في عهدِ الدولةِ الرسولية.

وقد ورد في وصفِ جلالتِهِ العلميةِ ما ذكره صاحبُ ملحقِ "البدرِ الطالع" بقوله: "هو الشيخ العالم الشاعر البليغ الشهير عبد الرحمن بن علي البرعي المهاجري اليمني، سكن وطنه النيّابتين، وأخذ النحو والفقه على جماعة من علماء عصره، حتى تأهل للتدريس وأتته الطلبة من أماكن شتى، فدرس وأفتى واشتهر بالعلم والشعر، وهو من العلماء الأحبار المجتهدين، والشعراء المجيدين، وله ممادح كثيرة في النبي صلى الله عليه وسلم، وديوان شعره مشهور".

كما أثنى عليه البريهيُّ في "طبقاتِ صلحاءِ اليمن" قائلاً: "ومن أهل برع الفقيه العالم الفاضل؛ عفيف الدين عبد الرحيم بن علي المهاجري نفع الله به بلده النيّابتين، كان يسكنها إلى أن توفي رحمه الله، قرأ الفقه والنحو على جماعة من أئمة وقته، فلما تأهل للتدريس والفتوى أتته الطلبة من أماكن شتى، فدرّس وأفتى واشتهر بالعلم والعمل".

قصةُ القصيدة: حينَ يعجزُ الجسدُ ويسبقُ القلب

لم تكن قصيدة يا راحلين إلى منى مجردَ ترفٍ أدبي، بل كانت زفرةً حرى انبعثت من صدرِ مؤمنٍ حبسَه العذرُ عن بلوغِ مرادِه. تروي السيرُ أن البرعيَّ شدَّ رحالَه نحو الديارِ المقدسةِ قاصداً الحج، وفي طريقهِ بقريةِ "الخيف" قربَ مدينةِ المصطفى صلى الله عليه وسلم، ألمَّ به مرضٌ عضالٌ أقعدَه عن المسير.

في تلك اللحظةِ المهيبة، والركبُ يمضي، والدليلُ يحدو، والقلوبُ تطيرُ نحو عرفات، وجدَ البرعيُّ نفسَه وحيداً يعاني آلامَ الجسدِ ولوعةَ الفراق، فسكبَ وجدَه في أبياتٍ هزت أركانَ التاريخ:

  • يا راحلينَ إلى منىً بقيادي .. هيجتُمو يومَ الرحيل فؤادي
  • سرتم وسار دليلكم يا وحشتي .. والعيس أطربني وصوت الحادي
  • فإذا وصلتُم سالمينَ فبلّغوا .. منّي السلام أهيلَ ذاك الوادي

الخلودُ الوجدانيُّ والقبولُ العام

إنَّ سرَّ بقاءِ هذه القصيدةِ وتجاوزِها للحدودِ المذهبيةِ والجغرافيةِ يكمنُ في صدقِ اللهجةِ وصفاءِ المشرب. فبالرغمِ من خلفيةِ الشاعرِ الصوفية، إلا أنَّ نصَّه صارَ ملكاً مشاعاً لكلِّ مسلمٍ يشتاقُ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ عز وجل.

ويمكنُ تلخيصُ أسبابِ هذا القبولِ الاستثنائيِّ في النقاطِ التالية:

  • الصدقُ الشعوري: فالنصُّ لم يُكتب للصناعة، بل كانَ تجربةً حيةً للموتِ والشوقِ في آنٍ واحد.
  • السموُّ الروحي: مخاطبةُ الحجيجِ بوصفِهم "أسياداً" استجابَ اللهُ سبحانه وتعالى لتوبتِهم.
  • الجزالةُ اللغوية: استخدامُ بحورِ الشعرِ الرصينةِ واللغةِ العذبةِ التي تطربُ لها الآذان.
  • الارتباطُ بالشعيرة: التصاقُ القصيدةِ بموسمِ الحج، وهو الركنُ الذي تهوي إليه الأفئدةُ كلَّ عام.

خاتمة: رسالةُ الشوقِ المستمرة

ستبقى قصيدة يا راحلين إلى منى شاهداً على أن الكلمةَ الطيبةَ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء، وأنَّ حبَّ اللهِ سبحانه وتعالى وحبَّ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم هو الرابطُ الأوثقُ الذي يجمعُ شتاتَ الأمة. فكم من محرومٍ في جسدِهِ كانَ حاضراً بقلبِهِ في عرفات بفضلِ هذه الكلمات، وكم من دمعةٍ سُكبت إخباتاً للهِ عز وجل حينَ ترنمَ الحداةُ بهذا النظمِ البديع. اللهمَّ ارزقنا حجَّ بيتكَ الحرام، ولا تحرمنا بذنوبنا من فيوضاتِ جودِكَ وكرمِك، وصلى اللهُ وسلمَ على نبينا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *