تطبيقات العدل في الإسلام: ميزان النجاة وطريق الفلاح

# تطبيقات العدل في الإسلام: ميزان النجاة وسر استقرار المجتمعات

الحمد لله الذي جعل العدل قوام السموات والأرض، وأمر بالقسط في الأقوال والأفعال، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والعدالة، محمد بن عبد الله، الذي أرسله ربه ليخرج الناس من ظلمات الجور إلى نور العدل، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

إن العدل ليس مجرد قيمة أخلاقية عابرة، بل هو الركن الركين الذي قامت عليه الخليقة، والأساس الذي لا تستقيم بدونه حياة الأفراد ولا استقرار المجتمعات. لقد جبل الله الفطر السوية والعقول المستقيمة على محبة العدل واستحسانه، وجعل كراهية الظلم مركوزة في أعماق النفس البشرية. وما أرسل الله الرسل، ولا أنزل الكتب، ولا شرع الشرائع إلا لإقامة ميزان العدل بين عباده.

أولاً: العدل غاية الرسالات السماوية

لقد قرر القرآن الكريم في آيات محكمات أن الغاية العظمى من إرسال الرسل هي إقامة القسط؛ قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]. وفي هذا السياق، يوضح الإمام السعدي رحمه الله في تفسيره أن {الْمِيزَانَ} هو العدل في الأقوال والأفعال.

إن الدين الذي جاءت به الرسل جميعاً هو دين العدل المطلق؛ فهو عدل في الأوامر والنواهي، وعدل في المعاملات، وعدل في الجنايات والقصاص والحدود والمواريث. إن هذا التوافق بين الشرائع السماوية على قاعدة القسط دليل قاطع على أن مصالح العباد التي لا يمكن حصرها لا تتحقق إلا بالعدل، وإن اختلفت صوره وتطبيقاته بحسب الأزمنة والأحوال، فإن جوهره يظل ثابتاً لا يتغير.

وبتطبيقنا للعدل في شؤون حياتنا، نكون قد حققنا مراد الله منا، واستوجبنا محبته سبحانه؛ حيث يقول عز وجل: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]. ومن هنا، فإن المسلم مأمور بالعدل في كل شأن، بدءاً من توحيد الله -إذ لا ظلم أكبر من الشرك- وصولاً إلى أدق المعاملات اليومية.

ثانياً: شمولية العدل في الإسلام

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. هذه الآية هي قاعدة جامعة وشاملة لكل صور العدل التي يحتاجها البشر. ومن أهم هذه التطبيقات التي تمس حياتنا اليومية:

1. العدل بين الأولاد

إن الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، وإذا غاب العدل عنها، فسد المجتمع بأسره. ومن أخطر صور الظلم التي قد يقع فيها الآباء هو التمييز بين الأبناء في العطايا أو المعاملة. ولنا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم دروس وعبر؛ فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنه أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إني نَحَلْتُ -أي أعطيت- ابني هذا غلامًا كان لي)، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً حازماً: «أَكُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟» فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأرجعه».

وفي رواية أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لبشير: «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال: لا، قال: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». وفي رواية ثالثة توضح خطورة هذا الفعل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جَورٍ».

إن تفضيل ابن على آخر يزرع بذور الشقاق، ويورث الحقد والضغينة في قلوب الإخوة، ويؤدي إلى قطيعة الرحم ومآسٍ أسرية لا تنتهي. لذا كرر النبي صلى الله عليه وسلم وصيته ثلاثاً تأكيداً على أهميتها فقال: «اعدلوا بين أولادكم، اعدلوا بين أولادكم، اعْدِلوا بين أولادكم» [رواه أحمد]. فالعدل في المعاملة المادية والمعنوية هو السبيل الوحيد لبر الأبناء بآبائهم ولتآلف قلوبهم.

2. العدل بين الزوجات

أباح الإسلام التعدد بشروط صارمة، على رأسها العدل. قال تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 129]. والمقصود هنا بالعدل المستطاع هو العدل في القسم والنفقة والمعاملة الظاهرة.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الميل الجائر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقُّه مائلٌ» [أخرجه أبو داود والنسائي]. ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجوب هذا العدل باتفاق المسلمين، موضحاً أنه يجب على الزوج أن يعدل في القسم، فإذا بات عند إحداهما ليلة، بات عند الأخرى مثلها، ولا يفضل إحداهما في ذلك.

3. العدل في الحكم والقضاء

العدل في الحكم هو ميزان الأمان في الدولة؛ فبه تأمن الرعية ويستقر الملك. قال تعالى مخاطباً نبيه داود عليه السلام: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].

ويشرح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله معنى الحكم بالحق بأنه العدل في جوهر الحكم وفي طريقته. فيجب على القاضي أو الحاكم أن يعدل بين الخصمين حتى في اللحظ واللفظ والجلوس. فلا يجوز تقديم أحد على آخر لقرابة أو جاه. قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152].

4. العدل مع غير المسلمين

عظمة الإسلام تتجلى في أمره بالعدل حتى مع من نختلف معهم في الدين أو الملة. يقول الله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]. كما فرق الإسلام في التعامل مع غير المسلمين بين المحاربين الذين يقاتلون المسلمين وبين المسالمين؛ فأمر بالبر والقسط للمسالمين: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

إن هذا العدل المطلق هو الذي فتح قلوب الناس للإسلام قبل أن تفتح بلادهم، وهو الذي جعل غير المسلمين يرتضون حكم المسلمين لما رأوا فيه من إنصاف وحفظ للحقوق.

ثالثاً: ثمار العدل في حياة الفرد والمجتمع

إن المتأمل في تطبيقات العدل يجد أنها تحقق فوائد لا تحصى، منها:

  • نيل محبة الله ورضوانه: فالمقسطون هم أحباب الله، وهم على منابر من نور يوم القيامة.
  • استقرار الأمن: فالظلم هو مؤذن بخراب العمران، والعدل هو حارس الأمن والأمان.
  • تآلف القلوب: عندما يشعر الفرد أن حقه مصان، وأن الميزان لا يميل مع الهوى، تنطفئ نيران الحقد والحسد.
  • البركة في الرزق والنسل: فالبيت الذي يقوم على العدل تحفه السكينة والبركة.

خاتمة

إن تطبيقات العدل في حياتنا كثيرة ومتشعبة، وما ذكرناه ليس إلا غيضاً من فيض هذا الدين العظيم، دين العدل والإحسان. إن العدل رحمة حتى بالحيوان والحشرات، كما في قصة نملة سليمان التي خافت على قومها، فقدر سليمان عليه السلام ذلك وتبسم ضاحكاً من قولها، ودعا ربه شاكراً: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19].

فلنحرص جميعاً على تمثل هذه القيمة العظيمة في بيوتنا، وأعمالنا، ومعاملاتنا مع القريب والبعيد، لنكون من المقسطين الذين يحبهم الله، ولنساهم في بناء مجتمع إسلامي متراحم، يسوده الحق والعدل والوئام. والحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *