ثائر حمايل.. حكاية الطفولة الموؤودة في غياهب سجون الاحتلال

ثائر حمايل.. حكاية الطفولة الموؤودة في غياهب سجون الاحتلال

ثائر حمايل.. حكاية الطفولة الموؤودة في غياهب سجون الاحتلال

هل يتسع صدر طفل في الثانية عشرة من عمره لحمل أوجاع أمة، وهل تقوى أضلاعه الغضة على تحمّل صقيع الزنازين وقسوة السجان؟ في فجر الرابع عشر من أبريل الجاري، لم يكن الفجر يحمل لنسائم قرية كفر عين إلا غبار الآليات العسكرية التي اختطفت الطفل ثائر حمايل من حضن أمانه، لتبدأ رحلة تيه في مراكز التحقيق، تكشف لنا وجهاً مظلماً من وجوه القهر الذي يمارسه الاحتلال بحق البراءة.

رحلة الفجر الحزين: من البيت إلى العراء

بدأت فصول المأساة حين اقتحمت قوات الاحتلال منزل عائلة ثائر، لتمتزج صرخات الفجر ببرودة الحديد. نُقل الطفل إلى معسكر "العاصور"، وهناك، في العراء وتحت وطأة البرد القارس الذي ينهش الأجساد النحيلة، أُبقي ثائر وحيداً لمدة ساعة، كأن الزمان توقف ليمتحن قدرة هذا الصغير على الصبر.

انتقل المشهد بعدها إلى معسكر "جبعيت" قرب قرية المغير، حيث حُشر ثائر في غرفة ضيقة لا تكاد تتسع لأنفاس ساكنيها، برفقة أسير آخر، في حصار خانق دام خمس ساعات، وكأن الجدران تضيق لتطبق على أحلام الطفولة.

التحقيق.. حين تغيب الإنسانية خلف القضبان

في مركز تحقيق "بنيامين"، واجه ثائر حمايل ما لا تطيقه الجبال. لم يكتفِ المحققون بالترهيب النفسي، بل امتدت أيديهم بالضرب والخنق، في محاولة لانتزاع اعترافات بتهب انتماءات سياسية تفوق مدارك طفل في عمره. وُصف بـ "المخرب"، وهو الذي لم يتقن بعد سوى لغة اللعب والدراسة، وظل مكبل اليدين طوال ساعات التحقيق، في صورة تجسد ذروة الاستقواء على الضعف.

لغة الأرقام.. وجع يسكن الزنازين

إن مأساة ثائر ليست صرخة في وادٍ، بل هي جزء من سيمفونية وجع ممتدة خلف القضبان، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى واقع مرير يعيشه الأسرى الفلسطينيون:

  • إجمالي الأسرى: يقبع نحو 9600 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، وهو رقم يعكس حجم الاعتقالات الجماعية.
  • الأطفال والنساء: تضم هذه الأرقام 350 طفلاً (أشبالاً) و86 سيدة، يواجهون ظروفاً تفتقر لأدنى مقومات الكرامة.
  • الاعتقال الإداري: بلغ عدد المعتقلين الإداريين (دون تهمة واضحة) نحو 3532 شخصاً، وهو الثقب الأسود الذي يبتلع أعمار الفلسطينيين بلا محاكمة.
  • المقاتلون غير الشرعيين: وصل عدد المصنفين تحت هذا المسمى إلى 1251 معتقلاً، ولا يشمل هذا الرقم كافة معتقلي قطاع غزة المحتجزين في معسكرات الجيش.

سجن عوفر.. حيث يُسلب النوم وتُهان الكرامة

انتهى المطاف بثائر في سجن "عوفر" غربي رام الله، حيث قسم الأشبال الذي تحول إلى ساحة للانتقام اليومي. يروي ثائر بمرارة كيف أُجبر على تقبيل علم الاحتلال في محاولة لكسر إرادته، وكيف تُسحب "الفرشات" من الغرف يومياً من الساعة السابعة صباحاً حتى الثانية ظهراً، ليُحرم الأطفال من حقهم في الراحة، في إجراءات تعسفية تهدف إلى إنهاك الجسد والروح.

إن سياسة الحرمان من الغذاء والدواء والأغطية أصبحت العنوان العريض لواقع الأسرى، حيث تحولت السجون إلى مراكز للعقاب الجماعي، تفتقر إلى أبسط المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

خاتمة: صمود الروح في وجه السجان

تظل قصة ثائر حمايل شاهدة على عصر يُنكل فيه بالطفولة أمام مرأى العالم ومسمعه. إن هؤلاء الأطفال الذين يخرجون من عتمة السجون يحملون في عيونهم حكايات لا تنسى، ودروساً في الصمود تعجز عن صياغتها الكتب. سيبقى ثائر وأقرانه الرمز الحي لإرادة لا تنكسر، وذكرى لا تموت، حتى تنقشع غيوم الظلم وتشرق شمس الحرية على كل الزنازين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *