جناية الألسن: خطر النميمة وإفساد ذات البين في ميزان الشريعة

جناية الألسن: خطر النميمة وإفساد ذات البين في ميزان الشريعة

جناية الألسن: خطر النميمة وإفساد ذات البين في ميزان الشريعة

إن من أعظم النعم التي امتن الله سبحانه وتعالى بها على عباده نعمة البيان، بيد أن هذا اللسان، على صغر جرمه، قد يكون سبباً في عظيم الإثم إذا ما استُعمل في غير ما يرضي الله. وثمة فئام من الناس قد استمرأوا إيقاد نيران الخصومة، واتخذوا من النميمة وإفساد ذات البين ديدناً يألفونه، متوهمين أن ما يلقونه من كلمات إنما هي أحاديث عابرة لا تلقي بالاً، والحقيقة أنها قاصمة الظهر التي تمزق نسيج المجتمعات، وتورث الضغائن في القلوب، وقد تبلغ بصاحبها مرتقىً صعباً من الوزر إذا ما أصر عليها، فإن صغائر الذنوب مع الإصرار تغدو كبائر موبقة.

التحذير النبوي والوعيد القرآني من إثارة الفتن

لقد جاءت الشريعة الغراء بسد كل ذريعة تفضي إلى التباغض، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من النميمة أشد التحذير، مبيناً مآل صاحبها في الآخرة؛ فعن حذيفة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة قتات”[1]. والقتات هو النمام، وقيل: هو الذي يتسمع على الناس وهم لا يعلمون ثم ينقل حديثهم بقصد الإفساد[2].

وإن المتأمل في كتاب الله عز وجل يجد النهي القاطع عن كل مسلك يؤدي إلى تدنيس أعراض المسلمين أو التجسس عليهم، حيث قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ۖ ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ۚ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ۚ واتقوا الله ۚ إن الله تواب رحيم﴾[3].

صور من واقع الفتن المجتمعية المعاصرة

إن واقعنا المعاصر يضج بصور مؤلمة من هذا البلاء الذي استشرى في المجالس، ومن أبرز هذه المظاهر:

  • مجالس الغيبة النسائية: حيث تقضي بعض النسوة الساعات الطوال في نقل القيل والقال، وجعل أعراض الجارات والقريبات محوراً للحديث، فتخرج الكلمات مسمومة، تزداد مع كل ناقل كذباً ومبالغة، حتى تتقطع الأرحام وتفسد القلوب.
  • الوشاية في بيئات العمل: حيث يسعى البعض للافتراء على زملائهم بنقل كلام محرف للمديرين، تذكيراً بالحسد أو المنافسة غير الشريفة، مما قد يتسبب في قطع أرزاق الأبرياء وتشويه سمعتهم.
  • إفساد العلاقات الأسرية: بالوقيعة بين المرء وزوجه، أو بين الأخ وأخيه، مما يحول البيوت الساكنة إلى ساحات للصراع والتباغض.

الآثار الكارثية لإفساد ذات البين

بسبب هذه الألسنة التي لم تلجم بلجام التقوى، انتشرت العداوة، وزعزعت الثقة بين الناس، وصارت الصدور تغلي بمرجل الحقد، تنتظر إشاعة لتشتعل نيران الخصومات. وكم من وشاية هدمت بيوتاً عامرة، وكم من كلمة أفسدت صداقة دامت عقوداً، وكم من بريء ظُلم بسبب لسان لم يراقب الله عز وجل. إن الفرد الواحد قد يفسد أمة بأسرها إذا جعل لسانة بريداً للفتنة.

ولو وقف هذا النمام وقفة صدق مع نفسه، لعلم أنه لا يجني من وراء فعله إلا خزي الدنيا وعذاب الآخرة، فمن أوقد ناراً للفتنة، أوشك أن يحترق بلهبها قبل غيره، وسوء الذكر يلاحقه في حياته وبعد مماته.

مآلات السعي بالوشاية وعذاب القبر

لقد جاء الوعيد الشديد لمن جعل دأبه السعي بالنميمة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: “إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة”[5].

وفي مشهد مهيب من مشاهد المعراج، يصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم عاقبة الخوض في الأعراض؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم[6].

خاتمة ودعوة للتوبة

فيا من ابتليت بمرض النميمة، ارفق بنفسك وتب إلى خالقك قبل أن يدركك هادم اللذات، وتذكر أنك موقوف بين يدي جبار السماوات والأرض، حيث لا ينفعك قيل ولا قال. قال تعالى: ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾[4]. فاجعل لسانك مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، فإن إصلاح ذات البين من أجل الطاعات، وإفسادها من أخبث السيئات.

نسأل الله تعالى أن يطهر ألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة، وأن يصلح فساد قلوبنا، ويجعلنا دعاة خير وإصلاح، ونعوذ به سبحانه من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *