# حقيقة الدنيا الزائلة: قراءة إيمانية في قوله تعالى {وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَیۡهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا}
الحمد لله الذي جلا لنا الحقائق، وأنار لنا البصائر، وصرف لنا الآيات لعلنا نعقل، والصلاة والسلام على من بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، فتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أما بعد:
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل، وفي سورة الكهف التي جعلها الله عصمة من الفتن: ﴿وَإِنَّا لَجَـٰعِلُونَ مَا عَلَیۡهَا صَعِيدًۭا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]. هذه الآية العظيمة ليست مجرد إخبار عن نهاية الأرض، بل هي كشف إلهي عن حقيقة الدنيا التي نركض خلف سرابها، وهي دعوة ربانية للوقوف على جوهر الوجود ومآل الأشياء.
المشهد الختامي للأرض: صعيداً جرزاً
إن المتأمل في هذه الآية يدرك أن كل ما نراه اليوم من عمران شامخ، وحدائق غناء، وأنهار جارية، وزينة باهرة، ما هو إلا مشهد مؤقت في مسرح الزمان. يخبرنا الحق سبحانه أن هذه الأرض ستعود “صعيداً جرزاً”. والصعيد هو وجه الأرض البارز، والجرز هي الأرض التي انقطع نباتها، ويبس زرعها، وذهبت بهجتها.
تخيل معي هذا المشهد الذي رسمه العلامة السعدي في تفسيره: أرض قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست آثارها، وزال نعيمها. هذا هو المصير الحتمي لكل ما تتقاتل عليه البشرية اليوم. إنها حقيقة الدنيا التي جلاها الله لنا كأنها رأي عين؛ لكي لا ننخدع بالستار المسدل على الحقيقة، ولكي لا ننسى أن وراء هذا الزين زوالاً، ووراء هذا النعيم فناءً.
فريقان في مواجهة الزينة: الظاهر والباطن
لقد قسم الله الناس في تعاملهم مع هذه الدنيا إلى فريقين، كل فريق ينظر إليها بمنظار مختلف، ويترتب على هذه النظرة مصير أبدي لا رجعة فيه:
أولاً: المغترون بظاهر الدنيا (صحبة البهائم)
هؤلاء هم الذين قصروا أنظارهم على القشور، ولم يغوصوا في أعماق المعنى. نظروا إلى ظاهر الدنيا وزينتها، ففتنتهم ألوانها، واستعبدتهم شهواتها. يصفهم الشيخ السعدي بوصف دقيق ومؤلم في آن واحد، حيث يقول:
- صحبة البهائم: لقد صحبوا الدنيا صحبة البهائم، لا همّ لهم إلا الأكل والشرب والتمتع.
- تمتع السوائم: تمتعوا بها كما تتمتع الأنعام السائمة في مراعيها، لا يشغلهم فكر، ولا يحركهم وجدان نحو الخالق.
- إغفال حق الرب: لا ينظرون في حق ربهم عليهم، ولا يهتمون بمعرفته سبحانه، بل غاية مرادهم ومنتهى آمالهم هو نيل الشهوات من أي وجه حصلت، وعلى أي حالة اتفقت.
- التوازن الإيماني: خذ من الدنيا ما يبلغك الآخرة، ولا تجعلها أكبر همك.
- الاستعداد الدائم: الموت يأتي بغتة، فليكن حالك كحال المسافر الذي جمع متاعه وينتظر ساعة الرحيل.
- تحرير القلب: لا تحزن على ما فاتك من الدنيا، فهي صائرة إلى زوال، وافرح بما آتاك الله من فضل الطاعة.
- النظر في العواقب: قبل أن تندفع وراء شهوة، تذكر مآلها، وتذكر أن الأرض التي تقف عليها ستصبح يوماً صعيداً جرزاً.
هذا الصنف من البشر يعيش في غفلة مطبقة، فإذا نزل بساحتهم الموت، وحضرتهم سكرة الحق، استيقظوا على واقع مرير. إن قلقهم عند الموت ليس ندماً على تقصير في حق الله، بل هو قلق لخراب ذواتهم، وفوات لذاتهم التي أفنوا فيها أعمارهم. إنهم يبكون على دنيا تتركهم، لا على آخرة لم يقدموا لها شيئاً.
ثانياً: المبصرون لحقيقة الدنيا (سفر العبور)
أما الفريق الثاني، فهم الذين منّ الله عليهم بالبصيرة، فنظروا إلى باطن الدنيا وعلموا المقصود منها. هؤلاء لم يرفضوا الدنيا كلياً، بل وضعوها في موضعها الصحيح:
1. الاستعانة لا الاستعباد: يتناولون من الدنيا ما يستعينون به على ما خلقوا له من عبادة الله.
2. انتهاز الفرص: يعلمون أن العمر شريف وقصير، فينتهزون كل لحظة في طاعة الله.
3. عقلية المسافر: جعلوا الدنيا “منزل عبور لا محل حبور”، وشقة سفر لا منزل إقامة.
4. بذل الجهد: استفرغوا وسعهم في معرفة ربهم، وتنفيذ أوامره، وإحسان العمل.
هؤلاء هم الذين أبصروا باطن الدنيا حين غرق غيرهم في ظاهرها، وعملوا لآخرتهم حين انشغل البطالون بدنياهم. شتان ما بين الفريقين، وما أبعد الفرق بين الطائفتين في الدنيا والبرزخ ويوم العرض على الله.
لماذا يحذرنا الله من الاغترار بالدنيا؟
إن تحذير الله لنا من الاغترار بزخرف الدنيا ليس تزهيداً في عمارة الأرض، بل هو محض رحمة بنا. فالله عز وجل يريد لنا أن نعلق قلوبنا بما يدوم، لا بما يفنى. هو يرغبنا في دار يدوم نعيمها، ويسعد مقيمها، ولا كدر فيها ولا زوال.
إن الغفلة عن حقيقة الدنيا تجعل الإنسان عبداً للمادة، وتورثه حسرة لا تنتهي عند رحيله عنها. أما اليقظة، فتعيد ترتيب الأولويات في قلب المؤمن، فيصبح عمله كله لله، وتصبح دنياه مطية لآخرته.
دروس مستفادة من قوله “صعيداً جرزاً”
إن هذه الآية وتفسير السعدي لها يضعان أمامنا منهجاً عملياً للحياة:
الخاتمة: الاختيار لك
أيها القارئ الكريم، إن الدنيا قد تجلت لك حقائقها في كتاب الله، فإما أن تختار صحبة البهائم والتمتع كالسوائم، وإما أن تختار مسلك الأنبياء والصالحين الذين جعلوا الدنيا قنطرة للعبور.
تذكر دائماً قول السعدي: “فشتان ما بين الفريقين، وما أبعد الفرق بين الطائفتين”. فاجعل نظرك إلى باطن الدنيا، واعمل لآخرتك قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. نسأل الله أن يجعلنا ممن عرف حقيقة الدنيا فزهد فيها، وعرف قدر الآخرة فعمل لها، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.
إن حقيقة الدنيا تتلخص في أنها مزرعة للآخرة، فمن زرع فيها خيراً حصد كرامة وسروراً وتكريماً، ومن زرع فيها غفلة وشهوات لم يحصد إلا الندم والخسران. فكن من الفطنين الذين علموا أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر.


اترك تعليقاً