خريف الجنرالات وصحوة الأقلية: قراءة في الانسداد السياسي في إسرائيل
هل يمكن لليقين الانتخابي أن يستحيل تيهاً سياسياً يذرُّ النخبة في مهب الريح؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بينما تدخل إسرائيل نفقاً جديداً من الغموض، حيث لم تعد صناديق الاقتراع تمنح صكوك الغفران لأي من المعسكرين المتناحرين. إن حالة الانسداد السياسي في إسرائيل التي نرقبها اليوم ليست عارضاً عابراً، بل هي زلزال في البنية العميقة لنظام الحكم، أعاد بنيامين نتنياهو إلى واجهة المفاوضات مثخناً بتراجع القوة، ووضع المعارضة أمام مرآة عجزها.
مشهد الانقسام: حين تعجز الأرقام عن حسم المصير
تقف الساحة السياسية اليوم مشلولة أمام نتائج لم تمنح أياً من الطرفين حق الانفراد بالقرار. إن عتبة الحسم في الكنيست، والمتمثلة في الحصول على 61 مقعداً من أصل 120، غدت كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء رياضي، بل هو "العمود الفقري" الذي بدونه ينهار جسد الحكومة قبل ولادته.
توزع القوى في المشهد الراهن:
- معسكر نتنياهو: تقدم طفيف لكنه يفتقر إلى الأغلبية المطلقة لتشكيل ائتلاف مستقر.
- معسكر المعارضة: بقيادة غادي آيزنكوت، يجد نفسه في مأزق الخيارات الصعبة بين التحالف مع الخصوم أو الاستنجاد بالشركاء الأباعد.
- القوائم العربية: حققت اختراقاً تاريخياً بحصد 19 مقعداً، مما جعلها الرقم الصعب في معادلة الحكم.
زلزال الصناديق: الصوت العربي يفرض إيقاعه
في قلب هذا الركود، انبعثت قوة لم يكن يحسب لها اليمين المتطرف حساباً؛ فقد سجل الناخبون الفلسطينيون في إسرائيل حضوراً طاغياً، محطمين قيود العزوف السياسي. إن ارتفاع نسبة المشاركة إلى 77.7% —وهي الأعلى منذ عقود— يعكس وعياً جماعياً بضرورة انتزاع الحقوق من بين فكي التمييز والجريمة المنظمة.
توزعت هذه القوة الانتخابية العربية كالتالي:
- القائمة العربية المشتركة: حصدت 12 مقعداً، لتمثل الثقل التاريخي للهوية العربية.
- القائمة العربية الموحدة (راعم): نالت 7 مقاعد، متبنية نهجاً براغماتياً يضع قضايا المجتمع العربي على طاولة المفاوضات المباشرة.
هذا الصعود يشبه "بيضة القبان" في الميزان؛ فبدون هذه المقاعد التسعة عشر، يظل تشكيل أي حكومة بديلة لنتنياهو ضرباً من الخيال السياسي، ويظل الانسداد السياسي في إسرائيل قائماً لا يزحزحه زحام الوعود.
سيناريوهات المستقبل: بين الائتلاف الهش والعودة إلى نقطة الصفر
يجد الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ نفسه اليوم أمام مهمة شاقة، حيث تبدأ المشاورات لتكليف شخصية قادرة على جمع الشتات. ومع ذلك، فإن الخيارات المتاحة لا تخلو من مرارة:
- حكومة أقلية: تعتمد على دعم خارجي من الأحزاب العربية، وهو خيار يصطدم بتعنت القوى اليمينية داخل معسكر المعارضة.
- حكومة وحدة وطنية: تتعثر بسبب الخصومة الشخصية العميقة بين نتنياهو وآيزنكوت، ورفض الأخير المطلق للجلوس تحت عباءة "بيبي".
- الانتخابات المبكرة: في حال الفشل، قد يجد الإسرائيليون أنفسهم أمام صناديق الاقتراع مجدداً في أبريل المقبل، لتدخل البلاد في الدورة السادسة من الانتخابات خلال سنوات قليلة، وهو ما يشبه "الدوران في حلقة مفرغة" لا نهاية لها.
إن بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة تصريف الأعمال يمنحه نفوذاً مستمراً، لكنه نفوذ المقيد الذي يدير الأزمات ولا يملك حلها.
خاتمة: حين تنطق الجغرافيا بلغة الديموغرافيا
إن ما تشهده إسرائيل اليوم هو درس بليغ في تحولات القوة؛ فالمواطنون العرب الذين يشكلون خُمس السكان، لم يعودوا مجرد أرقام في الهامش، بل أصبحوا المتن الذي يحدد اتجاه الصفحة. إن الانسداد السياسي في إسرائيل هو في جوهره أزمة هوية وصراع على تعريف الدولة، وبينما تتصارع النخب اليهودية على الكرسي، يبقى الصوت العربي هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تجاوزها في أي معادلة قادمة. إنها لحظة فارقة، تثبت أن الحقوق لا تُوهب، بل تُنتزع عبر صناديق الاقتراع حين تتوحد الإرادة.



اترك تعليقاً