مقدمة: حين يرتد صدى التاريخ في أروقة برلين
هل يغفو التاريخ حقاً أم أنه يتربص خلف ستائر النسيان بانتظار لحظة ضعف ليعيد كتابة فصوله الدامية؟ في قلب القارة العجوز، وتحديداً في ألمانيا التي ظن الكثيرون أنها طهرت ثوبها من أدران التطرف، تصاعدت في الآونة الأخيرة نبرة حادة تعيد للأذهان ذكريات مريرة. إن ظاهرة النازيون الجدد في ألمانيا لم تعد مجرد همس في زوايا مظلمة، بل غدت صوتاً صاخباً يتردد صداه في صناديق الاقتراع وساحات المدن، مدفوعاً بمناخ سياسي مشحون وتغيرات مجتمعية عميقة.
صعود "البديل".. المظلة السياسية والتبعات الميدانية
ثمة ترابط عضوي يلحظه كل ذي بصيرة بين صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي، وازدياد شراسة الجماعات المتطرفة. ففي الوقت الذي تمنح فيه استطلاعات الرأي الأخيرة -التي أشرفت عليها قناة "زد دي إف"- هذا الحزب المركز الأول بنسبة 26%، متفوقاً على أعرق الأحزاب الألمانية، نجد أن هذه الشعبية تعمل كوقود يشعل فتيل العنف في الشارع. إن السياسة هنا لا تنفصل عن الواقع؛ فكلما ارتفعت نبرة الخطاب الإقصائي في البرلمان، ترجمت الجماعات المتطرفة ذلك إلى اعتداءات ملموسة.
لغة الأرقام.. حين تتحدث الإحصائيات بمرارة
لا يمكن لعاقل أن يتجاهل البيانات الرسمية التي تصدرها السلطات الأمنية الألمانية، فهي ليست مجرد أرقام صماء، بل هي صرخات تحذير تنبئ عن خلل بنيوي في السلم الأهلي. إليكم رصداً لأبرز ما سجلته التقارير الأخيرة:
- ولاية براندنبورغ: شهدت قفزة في جرائم العنف المنسوبة لأقصى اليمين بنسبة 28% خلال العام الماضي، حيث سُجل 3557 اعتداءً شملت الضرب وتخريب الممتلكات والتحريض.
- ولاية مِكلنبورغ فوربمبرن: سجلت مستوى قياسياً في 2025 بوقوع 157 هجوماً، أي بمعدل ثلاث هجمات أسبوعياً، كانت العنصرية هي الدافع لنحو نصفها.
- ولاية شمال الراين وستفاليا: ارتفعت الاعتداءات ذات الدوافع السياسية بنسبة 27%، ليصل إجمالي الجرائم إلى 13650 جريمة.
هذه الأرقام تعكس حالة من "تطبيع العنف"، حيث يتحول الاعتداء الجسدي واللفظي من فعل منبوذ إلى ممارسة يومية يغذيها خطاب الكراهية.
استقطاب البراءة.. شباب في قبضة التطرف
من أكثر الجوانب إثارة للقلق في هذا المشهد هو انخراط أجيال شابة وقاصرين في صفوف اليمين المتطرف. لم يعد التطرف حكراً على جيل قديم يحن للماضي، بل بات يستهدف عقولاً غضة عبر استراتيجيات استقطاب ذكية تشمل الأنشطة الاجتماعية والرياضات القتالية.
وتشير التقارير، ومنها وثائقي مجلة "دير شبيغل"، إلى ظهور جيل جديد من المتطرفين يتدربون بجدية لما يصفونه بـ "الساعة صفر"؛ وهي اللحظة المتخيلة التي سينقضون فيها على خصومهم السياسيين لفرض رؤيتهم للعالم. إنهم يجهزون أنفسهم لمعركة الشارع تحت شعار الدفاع عن "سيادة العرق الأبيض"، وهو مفهوم عنصري بائد يحاولون بعثه من مرقده.
تغلغل الفكر المتطرف في نسيج المجتمع
يؤكد الخبراء، ومنهم المختص توم مانفيتس، أن عدد اليمينيين المتطرفين في ألمانيا ناهز الـ 50 ألف شخص. والخطورة الحقيقية تكمن في أن هذا الفكر لم يعد محصوراً في فئة معينة، بل تغلغل في جميع شرائح المجتمع، من الريف إلى الحضر، ومن العمال إلى المثقفين.
ويحذر وزير داخلية ولاية شمال الراين وستفاليا، هربرت رويل، من أن التطرف والكراهية والتضليل المتعمد أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، مما يجعل اليمين المتطرف الخطر الأكبر الذي يهدد النظام الديمقراطي الألماني من الداخل.
خاتمة: ميزان العدل ومسؤولية الدولة
إن الدولة الألمانية اليوم تقف أمام اختبار تاريخي؛ فبينما تواصل السلطات مداهمة وحظر المجموعات المتطرفة، يظل التحدي الفكري والثقافي هو الأصعب. إن محاربة النازيين الجدد في ألمانيا تتطلب ما هو أكثر من القبضة الأمنية؛ إنها تتطلب حصانة مجتمعية تعيد الاعتبار لقيم التعددية والكرامة الإنسانية. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي روح تسري في جسد الأمة، فإذا فسدت الروح، لم تغنِ النصوص والأدوات شيئاً. إن أشباح الماضي لا تنام إلا إذا سهرت العدالة على حراسة المستقبل.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً