واقع جديد في الضفة الغربية: تسارع وتيرة الضم وتآكل مرجعيات أوسلو
تشهد الضفة الغربية تحولات دراماتيكية تتجاوز مجرد التصعيد الميداني، لتصل إلى إعادة صياغة الواقع الديمغرافي والقانوني بالكامل. عبر استراتيجية تدمج بين الأدوات التشريعية والضغط الميداني، تسعى إسرائيل إلى إحكام قبضتها على الأرض، مما يضع ضم الضفة الغربية في صدارة المشهد السياسي، ويقوض ما تبقى من أمل في حل الدولتين.
التحول من الإدارة العسكرية إلى الضم القانوني
لم يعد الصراع في الضفة الغربية محكوماً بالأوامر العسكرية فحسب؛ بل انتقل إلى أروقة "الكنيست". مع مطلع العام الجاري، أقر الاحتلال قانون "تسوية أراضي الضفة الغربية"، وهو تحول جوهري نقل إدارة الأراضي من الصبغة العسكرية إلى المؤسسات المدنية الإسرائيلية.
ويرى الخبراء أن هذه الخطوة هي إعلان فعلي عن ضم قانوني، حيث يتم إلغاء المنظومات القانونية السابقة وإحلال منظومة إسرائيلية كاملة مكانها، خاصة في المناطق المصنفة (ج) التي باتت تحاصر التجمعات الفلسطينية وتخنق توسعها.
الهندسة الديمغرافية: الاستيطان كأداة سيطرة
تُظهر المعطيات الرقمية حجم التغيير الهائل في البنية السكانية للضفة:
- تضاعف أعداد المستوطنين: قفز العدد من 110 آلاف إلى أكثر من 540 ألف مستوطن.
- البنية التحتية: إنشاء شبكات طرق متطورة وبؤر استيطانية تربط الكتل العمرانية ببعضها.
- السيطرة على الموارد: وضع اليد على المناطق الصناعية، المواقع الأثرية، والموارد الطبيعية لتعزيز الوجود طويل الأمد.
انهيار تقسيمات أوسلو (أ، ب، ج)
رغم أن اتفاق أوسلو قسم الضفة إلى مناطق نفوذ متباينة، إلا أن هذا التقسيم يتلاشى عملياً على الأرض:
- المنطقة (أ): تخضع لسيطرة فلسطينية (18%) لكنها لا تسلم من الاقتحامات.
- المنطقة (ب): (21%) تحولت إلى بيئة هشة، حيث يستغل المستوطنون التداخل الأمني لشن اعتداءاتهم.
- المنطقة (ج): (61%) تهيمن عليها إسرائيل كلياً وتعتبرها العمق الاستراتيجي لمشاريع التوسع.
منذ السابع من أكتوبر 2023، تسارعت عمليات الهدم لتطال أكثر من 4200 منشأة، في رسالة واضحة مفادها أن الجغرافيا يتم رسمها من جديد بعيداً عن أي طاولات مفاوضات.
التهجير القسري: قصص من واقع المعاناة
خلف الأرقام والخرائط، توجد قصص إنسانية مؤلمة. تروي التقارير الميدانية كيف يتحول الاستقرار إلى كابوس؛ ففي كثير من القرى، يقتحم المستوطنون المنازل، ينهبون المحتويات، ويجبرون العائلات على الرحيل تحت تهديد السلاح. هذا النمط من التهجير القسري يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح التمدد الاستيطاني.
السلطة الفلسطينية وتحديات البيت الداخلي
في ظل هذه التحولات، تجد السلطة الفلسطينية نفسها أمام خيارات معقدة. فبين الضغوط السياسية الدولية والانقسام الداخلي، تراجعت القدرة على المناورة ومواجهة سياسات الأمر الواقع.
وتتصاعد الأصوات داخل الشارع الفلسطيني بضرورة:
- إنهاء الانقسام: لتوحيد الموقف في مواجهة مخططات الضم.
- الإصلاح الشامل: تجديد الشرعيات عبر الانتخابات.
- تفعيل المقاومة القانونية والدبلوماسية: لمواجهة التشريعات الإسرائيلية الجديدة.
الخلاصة:
إن ما يحدث في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد استيطان عابر، بل هو عملية إعادة هيكلة شاملة تهدف إلى إنهاء مفاعيل اتفاق أوسلو للأبد. ومع تحول كل متر من الأرض إلى ساحة صراع، يبدو أن حلم الدولة الفلسطينية يواجه أصعب اختباراته التاريخية في ظل غياب رادع دولي حقيقي.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً