حين يصمت العلم وتتحدث الظنون
هل يمكن للزمن أن يتوقف في ردهات المفاعلات النووية بينما العالم يترقب نبضها؟ ثمانية أشهر مضت والوكالة الدولية للطاقة الذرية تقف على أعتاب الحقيقة دون أن تلمسها. هكذا أطل علينا رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة، في حديثه الأخير، ليعلن عن فجوة زمنية في الرقابة تثير من التساؤلات أكثر مما تقدم من الإجابات. إن غياب اليقين في الملف النووي يشبه الإبحار في ليل داجٍ دون بوصلة؛ فكلما طال أمد الغموض، تعاظمت احتمالات التيه.
ثمانية أشهر من الغياب الرقابي
أكد رافائيل غروسي في تصريحاته أن الوكالة لم تتمكن من التحقق من مخزون إيران المعلن من اليورانيوم لفترة تجاوزت الثمانية أشهر. هذه المدة، في لغة الفيزياء النووية، ليست مجرد أرقام على تقويم زمني، بل هي مساحة شاسعة قد تتغير فيها موازين القوى المجهرية داخل أجهزة الطرد المركزي.
ويمكن تلخيص المشهد الراهن في النقاط الجوهرية التالية:
- انقطاع الرؤية الفنية: تعذر الوصول إلى البيانات الدقيقة التي ترصد حركة اليورانيوم وتطوره.
- مخزون اليورانيوم المخصب: يظل حجم المخزون الفعلي لغزاً يكتنفه الغموض في ظل غياب المعاينة الميدانية المستمرة.
- بروتوكولات التحقق: تراجع القدرة على تطبيق معايير الشفافية التي تضمن سلمية البرنامج.
اليورانيوم: الجمر الكامن تحت الرماد
إن اليورانيوم المخصب هو المادة الخام التي تدور حولها رحى السياسة الدولية؛ فهو يشبه الجمر الذي يحتاج إلى رقابة دائمة كي لا يتحول إلى حريق لا يمكن احتواؤه. حين يتحدث رافائيل غروسي عن عدم القدرة على التحقق، فهو يشير إلى خلل في "منظومة اليقين" الدولية.
إن عملية التخصيب (Enrichment) هي المسار الذي يرفع تركيز نظائر اليورانيوم، وكلما ارتفعت هذه النسب دون رقابة، اقتربت العتبة التكنولوجية من مستويات حرجة تثير قلق المجتمع الدولي. غروسي، بصفته سادن الأمن النووي العالمي، يرى أن هذه الفجوة الزمنية تضعف الثقة المتبادلة وتجعل من الصعب بناء تصور دقيق لمستقبل الاتفاقات النووية.
مآلات الغموض ورؤية للمستقبل
لا يمكن بناء السلام على أسس من الشك، ولا يمكن للعلم أن يؤدي دورة الضامن للأمان وهو مكبل اليدين. إن رسالة رافائيل غروسي تتجاوز حدود التقرير الفني لتصبح نداءً لاستعادة الشفافية المفقودة. فالحقائق العلمية لا تقبل التأويل، والإحصائيات النووية هي اللغة الوحيدة التي لا تحتمل المجاز.
خاتمة الرؤية:
إن الشفافية في الملف النووي ليست ترفاً سياسياً، بل هي ضرورة وجودية لاستقرار السلم العالمي. إن العودة إلى طاولة الوضوح هي السبيل الوحيد لتبديد غيوم التوجس، فالحقيقة كالشمس، مهما حجبها غبار الأزمات، لا بد أن تشرق لتبدد ظلمات الشك.



اترك تعليقاً