رياح التغيير في الجنوب: ملامح القوات الدولية المرتقبة لنزع السلاح في لبنان
هل يمكن للغة المدافع أن تفسح المجال لصرير الأقلام فوق طاولات التفاوض، أم أن الأرض لا تزال تخبئ في طياتها فصولاً لم تُكتب بعد؟ إن ما يشهده الجنوب اللبناني اليوم يمثل مخاضاً عسيراً لواقع أمني جديد، حيث تتشابك خيوط الدبلوماسية الدولية مع تعقيدات الجغرافيا السياسية، في محاولة لصياغة مستقبل تتصدره فكرة نشر قوات دولية في جنوب لبنان لضمان استقرار هش طال انتظاره.
رباعية دولية تحت مجهر الرقابة
في أروقة العاصمة الإيطالية روما، وتحت رعاية أمريكية مكثفة، تبلورت ملامح قائمة قصيرة تضم أربع دول تم ترشيحها لتكون حجر الزاوية في آلية المراقبة المقترحة. هذه الدول، التي اختيرت بعناية لتمثل توازناً معيناً، هي:
- بريطانيا: بخبرتها العسكرية والسياسية العريقة.
- إيطاليا: التي تمتلك إرثاً طويلاً في مهام حفظ السلام بالمنطقة.
- سويسرا: رمز الحياد والدقة الدبلوماسية.
- إندونيسيا: لتمثيل العمق الإسلامي والآسيوي في هذه القوة.
هذه القائمة، التي وُصفت بأنها نتاج تفاهم لبناني إسرائيلي أولي، تنتظر القرار النهائي من واشنطن لتحديد المهام المنوطة بها، والتي تتراوح بين الإشراف المباشر، وتوفير الكوادر المتخصصة، وصولاً إلى المشاركة الفعلية في أعمال التفتيش الميداني.
آليات التحقق: بين سيادة الدار وهواجس الأمن
إن جوهر الصراع التفاوضي الحالي يكمن في "آلية التحقق" من نزع السلاح، وهي عملية تشبه جراحة دقيقة في جسد مثقل بالجراح. تصر إسرائيل، التي يحتل جيشها حالياً مساحة 10 كيلومترات في العمق اللبناني، على أن الانسحاب التدريجي مرتبط ارتباطاً عضوياً بخلو القرى الجنوبية من السلاح.
معضلة الممتلكات الخاصة
تتجلى العقدة الكبرى في السعي الإسرائيلي لتوسيع نطاق التفتيش ليشمل المنازل والممتلكات الخاصة. وهنا تبرز التحديات القانونية والميدانية:
- المذكرات القضائية: يؤكد المسؤولون الأمنيون أن اقتحام حرمة المنازل يتطلب غطاءً قانونياً فردياً لكل حالة، منعاً للاصطدام بالسيادة الشعبية.
- موقف الجيش اللبناني: قاوم الجيش ضغوطاً متزايدة لتفتيش البيوت، إدراكاً منه أن هذا المسلك قد يشعل فتيل توترات داخلية لا تُحمد عقباها.
- حرية الحركة: لا تزال حدود حركة القوات الأجنبية ونطاق صلاحياتها محل بحث دقيق لضمان عدم تحولها إلى قوة احتلال مقنعة.
تناقض الرؤى: إصرار "كاتس" وتحذير واشنطن
بينما يسير المسار الدبلوماسي في روما، جاءت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لترسم ظلالاً من الشك فوق طاولة المفاوضات. فقد أعلن كاتس من داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أن جيشه باقٍ في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة لفترة طويلة.
هذا التوجه قوبل برفض أمريكي صريح، حيث أكدت وزارة الخارجية أن الوجود العسكري الدائم لا ينسجم مع الأطر المتفق عليها، ولا يخدم السلام المستدام. إن هذا التضارب في التصريحات يعكس الفجوة بين الرغبة في فرض واقع أمني بالقوة، وبين الضرورة الدولية للالتزام بالعهود والمواثيق.
الواقع الميداني: جرحٌ لا يندمل
وعلى وقع هذه المفاوضات، لم يتوقف أنين الأرض؛ فالعدوان الذي انطلق في الثاني من مارس الماضي لا يزال يحصد الأرواح والممتلكات. شهدت الساعات الماضية تصعيداً عنيفاً شمل:
- قضاء بنت جبيل: استهداف مسيرة لطريق كفرا مخلفة إصابات بشرية.
- قضاء مرجعيون: غارات وتفجيرات في محيط دير سريان ووادي السلوقي.
- قضاء صور: غارات جوية مكثفة على بلدة المنصوري.
- العاصمة بيروت: تحليق منخفض ومستفز للطيران المسير فوق الضاحية الجنوبية.
إن هذا التباين الصارخ بين الحديث عن السلام وبين دوي الانفجارات يضع مصداقية المجتمع الدولي على المحك، ويجعل من فكرة نشر قوات دولية في جنوب لبنان اختباراً حقيقياً لقدرة الدبلوماسية على لجم آلة الحرب.
خاتمة:
إن السلام لا يُصنع فقط بترشيح دول أو رسم خرائط، بل يُبنى حين تحترم القوى الكبرى سيادة الشعوب وحقها في الأمان. يبقى الجنوب اللبناني، بأشجاره وجباله، شاهداً على صراع الإرادات، بانتظار فجر تنقشع فيه غمة الاحتلال وتعود فيه السيادة لأصحاب الأرض، بعيداً عن صخب المدافع وأطماع التوسع.



اترك تعليقاً