هل تحرق النار التي أشعلها السياسي لتدفئة طموحاته البيت الذي يأويه؟
في دهاليز السياسة الأمريكية، حيث تُصنع الأقدار وتُحاك المكائد، يبرز تساؤلٌ وجودي يتردد صداه في أروقة واشنطن: هل يمكن للفوضى، التي كانت يوماً وقوداً للصعود، أن تتحول إلى مقصلة سياسية تهوي على رقاب الحلفاء؟ يواجه دونالد ترمب وحزبه الجمهوري اليوم عاصفةً هوجاء، حيث تلاقت رياح التضخم العاتية مع ظلال الحروب المستعرة، لتضع الحزب العريق أمام شبح هزيمة تاريخية في انتخابات التجديد النصفي، بعدما باتت الفوضى سلاحاً ارتد سهمه إلى نحر صاحبه.
التاريخ.. المعلم الصارم الذي لا يحابي المقامرين
تؤكد الكاتبة كيت أندروز في رؤيتها المنشورة عبر صحيفة "واشنطن بوست" أن الرئيس دونالد ترمب يبدو غافلاً عن سنن التاريخ السياسي الأمريكي. إن خسارة الحزب الحاكم لانتخابات التجديد النصفي ليست بدعاً من القول، بل هي ظاهرة تكررت عبر العقود، ولم يشذ عنها إلا قلة نادرة مثل:
- جورج بوش الابن (2002): الذي امتطى صهوة الإجماع الوطني بعد أحداث سبتمبر.
- جيمي كارتر (1978): في حقبة سياسية مغايرة تماماً.
لكن المشهد الراهن لا يشبه الماضي في شيء؛ فقد انقلبت الموازين التقليدية رأساً على عقب. ففي ولاية تكساس، تلك القلعة الجمهورية الحصينة التي اكتسحها دونالد ترمب بفارق 14 نقطة عام 2024، نجد اليوم الديمقراطي جيمس تالاريكو يتقدم بثلاث نقاط كاملة على خصمه الجمهوري، وكأن الأرض تهتز تحت أقدام الفيلة.
لغة الأرقام: حين يتحدث الجيب يصمت الخطاب
حاول البيت الأبيض مراراً استخدام صخب المعارك السياسية الجانبية كستار دخاني يحجب الرؤية عن الأزمات الاقتصادية، بيد أن الحقائق العلمية لا تُطمس بالشعارات. لقد كشفت دراسة رصينة لبنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك عن أثر سياسات دونالد ترمب التجارية بوضوح لا لبس فيه:
- تضخم مصطنع: ساهمت الرسوم الجمركية لعام 2025 في رفع تضخم السلع بنحو 2.9 نقطة مئوية بحلول فبراير 2026.
- عبء المستهلك: رغم الادعاءات بأن الخارج يدفع الثمن، تحملت الشركات الأمريكية العبء الأكبر، ثم نقلته بمرارة إلى جيوب المواطنين.
- ضبابية اقتصادية: أدت القرارات المتقلبة، من فرض رسوم على الحلفاء إلى إعفاءات مفاجئة لواردات صينية، إلى زعزعة ثقة المستهلكين، حتى بات 60% من الناخبين يوقنون أن البلاد تسير في نفق مظلم.
طبول الحرب وظلال الشك
لم تكن العثرات اقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل الميدان العسكري. الحرب على إيران، التي وعد دونالد ترمب بأنها ستكون خاطفة لا تتجاوز ستة أسابيع، دخلت شهرها الثامن دون أفق للحل. هذا الاستنزاف لم يرهق الميزانية فحسب، بل أحرق طمأنينة المواطن:
- أسعار الوقود: قفزت أسعار البنزين بنسبة 50% منذ اندلاع الشرارة الأولى.
- انهيار الشعبية: سجلت معدلات التأييد للرئيس انخفاضاً حاداً لتستقر عند 32% وفق استطلاعات رويترز.
- تشتت الخطاب: وجد المرشحون الجمهوريون أنفسهم في حيرة من أمرهم، فمنهم من بدأ يهاجم الرسوم الجمركية علانية، ومنهم من يتجنب ظهور الرئيس في حملته الانتخابية خوفاً من "عدوى الفوضى".
خاتمة: الحكمة في مآلات الأمور
إن الفوضى في عالم السياسة تشبه الجواد الجامح؛ قد تسبق بها في مضمار قصير، لكنها لا تلبث أن تطيح بفارسها إذا طال الطريق. لقد تحولت أدوات دونالد ترمب التي كان يطوع بها خصومه إلى أثقالٍ تنوء بها عصبة الحزب الجمهوري. والحقيقة التي لا مفر منها هي أن الشعوب قد تغفر زلة اللسان، لكنها لا تغفر أبداً ضيق العيش وغموض المصير. فهل يدرك الجمهوريون قبل فوات الأوان أن السفينة التي تتقاذفها الأمواج تحتاج إلى ربان يتقن فن السكون لا فن الصخب؟



اترك تعليقاً