سخاء الأنصار وعفة المهاجرين: قراءة في مدرسة عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع
لقد كانت الهجرة النبوية المباركة المحكّ الأسمى الذي انجلت فيه معادن الرجال، وأسفرت عن وجوهٍ رضي أصحابها بالله عز وجل رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً. فبذل المهاجرون الغالي والنفيس، وفارقوا الديار والأموال ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، فاستقبلهم الأنصار بقلوبٍ أوسع من دورهم، في مشهدٍ فريد من الأخوة الإيمانية التي شيدت أركانها على توحيد الله عز وجل. وفي هذا المقام، نستحضر مشهداً حياً يجسد كيف صاغ الإسلام نفوساً تدرك يقيناً أن ما عند الله خير وأبقى، فامتزج فيه بذل المال بعزة النفس، لتتجلى أبهى صور الثقة بوعيد الله ووعده.
ميثاق الإخاء: حين تذوب الفوارق في ذات الله
سطّر التاريخ بمداد من نور تلك المؤاخاة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ومن أعظم تجلياتها ما رواه الإمام البخاري في صحيحه أن المهاجرين: «لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ، فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا. قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَهْيَمْ). قَالَ: تَزَوَّجْتُ، قَالَ: (كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا). قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ».
فلسفة العطاء وعزة النفس
إن عرض سعد بن الربيع رضي الله عنه لم يكن مجرد كرمٍ عابر، بل كان تجسيداً لانتصار الروح على شحّ النفس وحب المال الجماّ، إذ عرض شطر ماله وهو يقول بلسان الواثق: "إني أكثر الأنصار مالاً". وفي مقابل هذا السخاء الرباني، برزت عفة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، الذي غادر مكة صفراً من المتاع لكنه ممتلئ بعزة الإيمان، فلم يقبل إلا الدعاء لأخيه بالبركة، متوجهاً بجهده وعرقه نحو السوق، ليصيب من فضل الله تعالى جزاء عفته وكدّه.
وقد حفت البركة هذا المسعى بفضل دعاء الأخ لأخيه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَعَا الْمَرْءُ لِأَخِيهِ بِظَاهِرِ الْغَيْبِ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلِهِ».
دروس من سعي عبد الرحمن بن عوف:
- الاستغناء بالله: العفة طريق لفتح أبواب الرزق الحلال.
- المبادرة الاقتصادية: التوجه للسوق والعمل اليدوي أساس بناء الثروة المباركة.
- سرعة الإنجاز: تشير الرواية إلى سرعة تحقيق المكاسب بفضل الإخلاص والبركة.
- الوفاء بالحقوق: تقديم المهر وإقامة الوليمة دلالة على الاستقرار المادي السريع.
سعد بن الربيع: الشهادة والذكر الباقي
لم تطل حياة سعد بن الربيع رضي الله عنه بعد هذا الموقف، إذ نال شرف الشهادة في يوم أحد سنة ثلاث للهجرة، وترك خلفه إرثاً من الإيمان ومالاً قضى فيه الوحي، فعن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: فقال: “يقضي الله في ذلك” فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: “أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك”.
عبد الرحمن بن عوف: نموذج الغني الشاكر
لقد تجلت بركة العفة في ثروة ابن عوف رضي الله عنه، حتى غدا من كبار المنفقين. أورد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن الزهري قال: «تصدق ابن عوف على عهد رسول الله -ﷺ – بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، وحمل على خمس مائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمس مائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة».
ولم يقتصر عطاؤه على الجهاد، بل شمل أمهات المؤمنين وفاءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (خياركم خياركم لنسائي). فأوصى لهن عبد الرحمن بحديقة قُوِّمَتْ بأربع مائة ألف. وحين وصل نصيب السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون)، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة».
معالم في جود ابن عوف:
- صلة الأرحام: قسم أربعين ألف دينار في فقراء بني زهرة والمهاجرين.
- التكافل الاجتماعي: كان أهل المدينة عيالاً عليه؛ ثلث يقرضهم، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثاً.
- الوصية المستدامة: أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى لكل من شهد بدراً بأربعمائة دينار.
- تحرير الرقاب: أعتق ثلاثين ألف بيت ابتغاء وجه الله عز وجل.
الخاتمة: حقيقة الغنى والفقر
إن سيرة هؤلاء العظام تدحض الظن الواهم بأن البخل يحفظ الثروة، فما نقص مال سعد ولا عبد الرحمن وهما من أجود الناس، بل كان العوض الإلهي حاضراً مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾. أما الشره والعبودية للمال فهي المهلكة، وعنها حذر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ».
فاللهم ارزقنا عفة كعفة عبد الرحمن، وسخاءً كسخاء سعد، واجعل أموالنا في أيدينا لا في قلوبنا، واستعملنا في طاعتك يا خير الرازقين.



اترك تعليقاً