سراب الانهيار: لماذا أخفقت رهانات “نصف الحرب” في تركيع إيران؟

سراب الانهيار: لماذا أخفقت رهانات “نصف الحرب” في تركيع إيران؟

هل يمكن للسياسة أن تُبنى على الأوهام حتى تظن أن القلاع العاتية تتهاوى بضربة خاطفة؟ تساؤل يفرض نفسه على رقعة الشطرنج السياسية المعاصرة، حيث راهن الثنائي ترمب ونتنياهو على تهاوي إيران كبيت من ورق تحت وطأة الضغوط القصوى، لكن الواقع أثبت أن حسابات القوة لا تخضع دوماً للمنطق الرغائبي، وأن الصمود قد يكون أحياناً أبلغ من الرصاص.

كسر القواعد: من "لا سلم ولا حرب" إلى حافة الهاوية

دخلت المنطقة نفقاً جديداً حين قرر دونالد ترمب تمزيق العرف التقليدي الذي ساد لعقود بين واشنطن وطهران. لم تعد القاعدة هي حالة السيولة بين السلم والحرب، بل اجترح ترمب معادلة صفرية قاسية: إما الإذعان الكامل والتوقيع على الشروط الأمريكية، أو المواجهة الشاملة التي لا تبقي ولا تذر.

ويشخص الخبير في الشؤون الإيرانية عبد القادر فايز هذا المشهد ضمن النقاط التالية:

  • فرض معادلة "نصف السلام" عبر ممارسة "نصف الحرب" لانتزاع تنازلات سيادية.
  • محاولة تركيع النظام الإيراني بالكامل عبر حصار اقتصادي وتهديد عسكري مباشر.
  • صمود الهيكل الإيراني أمام العاصفة لأكثر من 45 يوماً، مما جعل مفاوضات إسلام آباد ضرورة لالتقاط الأنفاس لا إعلان استسلام.

وهم السقوط السريع وتداعيات "طوفان الأقصى"

يرى الدكتور حسن البراري، أستاذ العلاقات الدولية، أن العقلية السياسية الأمريكية أصيبت بنوع من "التفكير الساذج" عقب أحداث طوفان الأقصى. فقد توهم صانع القرار في واشنطن وتل أبيب أن استهداف القيادات وتحفيز الداخل سيعجل بنهاية النظام، متناسين تعقيدات النسيج الداخلي وتوازنات القوة الإقليمية.

ويمكن تلخيص هذا المأزق في ملمحين بارزين:

  1. المأزق المؤلم المتبادل: إدراك الطرفين أن استمرار المعارك لن يحقق حسماً عسكرياً، بل استنزافاً لا نهاية له.
  2. الوساطة البديلة: التوجه نحو مخرج تفاوضي برعاية صينية غير مباشرة عبر الوسيط الباكستاني، هرباً من انسداد الأفق العسكري.

أوراق القوة: مضيق هرمز ومناورات البقاء

لم تكن طهران يوماً بلا أوراق، بل هي تتقن اللعب على حافة الهاوية ببراعة المشاء على الحبال. يشير أستاذ العلوم السياسية أدهم صولي إلى أن إيران تمتلك مفاتيح إستراتيجية قادرة على قلب الطاولة، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمثل شريان الطاقة العالمي.

وتتجلى الإستراتيجية الإيرانية في هذه المرحلة عبر:

  • تحويل الضغط الملاحي في المضيق إلى ورقة ضغط لانتزاع مكاسب اقتصادية من القوى الدولية والخليجية.
  • استغلال "فجوة الإخلاء" الأمريكية في المنطقة لفرض واقع جيوسياسي جديد يكرس سيادتها البحرية.
  • السعي للتفاوض مع دول مجلس التعاون الخليجي ككتلة موحدة لإضعاف النفوذ الغربي المباشر.

رؤية ختامية

في نهاية المطاف، تظل السياسة فن الممكن لا ساحة للأوهام. إن محاولة تركيع الدول ذات العمق التاريخي والجغرافي عبر لغة التهديد المحض غالباً ما تنتهي بجلوس الخصوم على طاولة واحدة، حيث تُستبدل طبول الحرب بصرير الأقلام. لقد أدرك الجميع أن السلام -وإن كان منقوصاً- يبقى خياراً حتمياً حين تصطدم الأطماع بصخرة الواقع الصلبة.


المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *