عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ في صَلَاةِ الفَجْرِ: (الم تَنْزِيلُ) السَّجْدَةَ، وَ(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ)”.
إليك إعادة صياغة للمسائل الفقهية والتربوية المتعلقة بهذا الهدي النبوي:
أولاً: طول القراءة وتيسيرها على المأمومين
تُعد سورة السجدة (30 آية) وسورة الإنسان (31 آية) من القراءات المختصرة مقارنةً بهدي النبي ﷺ المعتاد في صلاة الفجر، حيث كان يقرأ في سائر الأيام ما بين الستين إلى المائة آية. ومن العجيب أن بعض الناس في زماننا يستطيلون هذه السور، بينما كانت في ميزان السنة من أقصر ما قرأه النبي ﷺ في صلاة الصبح.
ثانياً: الحكمة من اختيار هاتين السورتين
أوضح العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، أن اختيار السجدة والإنسان في فجر الجمعة ليس لأجل “سجدة التلاوة” ذاتها، بل لما تضمنته السورتان من موضوعات تناسب هذا اليوم العظيم، مثل:
- ذكر خلق آدم عليه السلام (الذي كان يوم جمعة).
- أحوال يوم القيامة وحشر العباد (الذي سيقع يوم جمعة).
فالقراءة هنا تعمل كذكرى أسبوعية للأمة ببداية الخلق ونهايته.
ثالثاً: حكم مداومة الإمام عليهما
يُستحب للإمام قراءة هاتين السورتين اتباعاً للسنة، ولكن يُشرع له ترك ذلك أحياناً؛ لئلا يظن العوام أو الجاهلون أن قراءتهما واجبة لا تصح الصلاة بدونهما. وقد كره بعض الأئمة المداومة المطلقة لهذا السبب التحذيري.
رابعاً: تصحيح مفهوم “سجدة الجمعة”
يعتقد البعض خطأً أن الغرض هو الإتيان بسجدة زائدة في الصلاة، حتى أطلقوا عليها “سجدة الجمعة”. وهذا أدى ببعض الأئمة إلى قراءة أي سورة أخرى فيها سجدة إذا لم يحفظوا سورة “تنزيل”، وهو فعلٌ أنكره المحققون من العلماء كابن القيم؛ لأن السجود ليس مقصوداً لذاته، بل المقصود هو مضمون السورتين، والسجدة جاءت تبعاً للنص.
خامساً: صفة القراءة المسنونة
السنة الأكمل هي قراءة سورة السجدة كاملة في الركعة الأولى، وسورة الإنسان كاملة في الركعة الثانية. ويكره البعض تقسيم السورة الواحدة على الركعتين أو قراءة إحداهما دون الأخرى؛ لأن ذلك يخالف تمام الاقتداء بالفعل النبوي.
سادساً: القراءة من المصحف للإمام
إذا كان الإمام لا يحفظ السورتين عن ظهر قلب، أو يخشى التردد والنسيان بسبب طولهما، فلا حرج عليه في القراءة من المصحف، كما أفتى بذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله؛ وذلك لتحصيل فضيلة هذه السنة النبوية وتذكير الناس بمعانيها.
سابعاً: الرد على كراهة البعض
لا عبرة بمن كره قراءة سورة السجدة خشية تخليط الأمر على المصلين؛ فالصلاة جهرية والناس يتابعون الإمام، والسنة الثابتة قاضية على كل رأي أو اجتهاد يخالفها.


اترك تعليقاً