شمائل المصطفى ﷺ: تجليات الكمال البشري والجمال النبوي في سيرة خير البرية

شمائل المصطفى ﷺ: تجليات الكمال البشري والجمال النبوي في سيرة خير البرية

شمائل المصطفى ﷺ: تجليات الكمال البشري والجمال النبوي

إنّ سبر أغوار الشمائل المحمدية والوقوف على الخصائص الذاتية للنبي ﷺ، يفتح للقلب آفاقاً لدرك جلال الهيبة وكمال الفطرة التي جبل الله سبحانه وتعالى عليها خاتم المرسلين. فما كانت صورته الظاهرة إلا مرآة لجمال باطنه، وما كان كماله إلا اصطفاءً ربانياً تفرد به عن سائر العالمين.

واستناداً إلى ما سطره الشيخ الخضري -رحمه الله تعالى- في كتابه الماتع «نور اليقين في سيرة سيد المرسلين»، نجد أن الله عز وجل قد حبا نبيه ﷺ بجمال لم يشركه فيه أحد، وكمالٍ لم يسبقه إليه سابق ولا يلحقه فيه لاحق، سواء في عاجل الدنيا أو آجل الآخرة.

أقسام الكمال الإنساني في الذات النبوية

ينقسم الكمال البشري والقدر الجليل في الإنسان إلى ضربين أساسيين، وقد اجتمعا في أرقى صورهما في شخص النبي ﷺ:

أولاً: الكمالات الخَلْقية (الفطرية)

وهي هبات لدنّية لا كسب للمرء فيها، وتتمثل في:

  • جمال الهيئة: وتناسب الأعضاء واعتدال البنية.
  • رجاحة العقل: وحدة الذكاء وقوة الحواس.
  • فصاحة اللسان: وقوة البدن وشرف النسب.
  • الضرورات الحياتية: من طيب المأكل، والملبس، والمسكن، والجاه العريض.

ثانياً: الكمالات الخُلُقية (المكتسبة شرعاً)

وهي الفضائل التي ترفع الدرجات عند الله سبحانه وتعالى، مثل: الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع. وقد انصهرت هذه الفضائل جميعاً في بوتقة واحدة هي «حسن الخلق».

بهاء الطلعة وجمال المحيا

لقد أجمع الواصفون لرسول الله ﷺ على أنه كان آية في الحسن والجمال، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه». وفي حديث ابن أبي هالة: «كان وجهه يتلألأ تلألؤ القمر ليلة البدر». ولخص علي بن أبي طالب رضي الله عنه وصفه الجامع بقوله: «من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله».

النظافة الفطرية والطيب النبوي

لقد جبل الله عز وجل نبيه ﷺ على طهارة ذاتية لا تشوبها شائبة، وقد تعززت هذه الفطرة بالتشريع الإلهي، حيث قال ﷺ: «بني الدين على النظافة».

أما ريحه وطيبه، فقد كان آية من آيات الله؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: «ما شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وروى جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «مسح مسحة على خدي، فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار».

وكان ﷺ يُعرف بطيبه وإن لم يمس طيباً، فإذا صافحه أحد ظل يجد ريحه يومه ذلك، وإذا وضع يده على رأس صبي عُرف الصبي من بين الصبيان بريحه. وروى البخاري في التاريخ الكبير عن جابر رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلك طريقاً فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب ريحه».

رجاحة العقل وقوة البصيرة

لا ريب أن النبي ﷺ كان أرجح الناس عقلاً وأذكاهم فؤاداً. ومن تأمل تدبيره لشؤون الأمة، وسياسة الخلق، وتبليغ شرائع الإيمان بلا تعليم سابق أو مطالعة كتب، أدرك عمق بصيرته التي وهبه الله إياها. ومن معجزاته أنه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه في الصلاة، وقد فُسر قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} (الشعراء: 219) بهذا المعنى.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يرى في الظلمة كما يرى في الضوء». كما تجلت قوته البدنية حين صرع «ركانة» -وكان أشد رجال زمانه قوة- حين دعاه إلى الإسلام.

وعن سرعته في المشي، قال أبو هريرة رضي الله عنه: «ما رأيت أحداً أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث».

فصاحة اللسان وجوامع الكلم

كان النبي ﷺ أفصح العرب لساناً، وأوضحهم بياناً، أُوتي جوامع الكلم، فكان يتكلم بالقول الفصل الذي لا فضول فيه ولا تقصير. وكان يخاطب كل قبيلة بلغتهم، ويحاورهم بلسانهم، مراعياً أحوالهم واصطلاحاتهم، فكان خطابه لقريش يختلف عن خطابه لغيرهم، حكمةً منه وتأليفاً للقلوب.

شرف النسب وعلو المحتد

مما كمل الله به قدر نبيه ﷺ شرف نسبه وطهارة منبته، فهو من بني هاشم، أزكى فروع قريش، وقريش أشرف قبائل العرب. ولد ﷺ في مكة المكرمة، أحب البلاد إلى الله عز وجل، فاجتمع له شرف الذات، وشرف النسب، وشرف الموطن.

الخاتمة:
إنّ التأمل في هذه الشمائل المحمدية ليس مجرد ترف فكري، بل هو عبادة تقود إلى تعظيم الجناب النبوي ومحبته. فالله الذي جمل خلقه، قد كمل خُلقه، فاجتمعت فيه محاسن الصور والمعاني. فاللهم ارزقنا كمال الاتباع له، واحشرنا في زمرته، واسقنا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *