صيانة الإيمان: تحذير الإمام ابن الجوزي من خطر الجدل على العامة

مقدمة: في حفظ القلوب من كدر الشبهات

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، والصلاة والسلام على من بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وبعد:

إن أعظم ما يملكه المؤمن هو صفاء عقيدته، وطهارة قلبه من كدر الشبهات التي تزلزل اليقين. وإن من أعظم الفتن التي ابتليت بها الأمة في عصورها المختلفة، فتنة الخوض في دقائق الكلام وعويص المسائل العقدية أمام من لا يدرك كنهها، وهم عامة الناس الذين قنعوا بظواهر الشرع واستقاموا على جادة الحق بسلامة الفطرة. وقد سطر الإمام الحافظ ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الفذ “صيد الخاطر” نصيحة غالية، تنم عن بصيرة نافذة وحرص شديد على حماية بيضة الإسلام وصيانة عقائد العوام.

الفتنة الوافدة: حين يتجرأ المبتدعة على منابر التذكير

ينقل لنا الإمام ابن الجوزي مشهداً مؤلماً وقع في بغداد، حين وفد إليها جماعة من أهل البدع الأعاجم، فارتقوا منابر التذكير، وبدلاً من أن يرققوا القلوب بالزهد والرقائق، أو يعلموا الناس ما ينفعهم في عباداتهم، جعلوا جلّ مجالسهم في التشكيك في أصول الاعتقاد. فكانوا يقولون للعوام: “ليس لله في الأرض كلام، وهل المصحف إلا ورق وعفص وزاج؟”.

لقد حاول هؤلاء المبتدعة تجريد القرآن الكريم من قدسيته في نفوس الناس، فزعموا أن الله ليس في السماء، وأولوا حديث الجارية التي سألها النبي ﷺ: “أين الله؟” فأشارت إلى السماء، بأنها كانت خرساء وأرادت بنفي الأصنام الأرضية لا إثبات العلو لله عز وجل. ثم لم يكتفوا بذلك، بل سخروا من أهل السنة الذين يثبتون أن القرآن كلام الله حقيقة، ونعتوهم بـ “الحروفية”، زاعمين أن هذا القرآن الذي نقرؤه ونسمعه ما هو إلا عبارة جبريل عليه السلام.

أثر الجدل على تعظيم القرآن في الصدور

إن النتيجة الحتمية لمثل هذا الجدل العقيم كانت كارثية؛ فقد هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام. فبعد أن كان أحدهم يقبل المصحف ويقوم له إجلالاً لكونه كلام خالقه، صار يسمع تلك الشبهات فيقول في نفسه: “هذا هو الصحيح، وإلا فالقرآن شيء يجيء به جبريل في كيس!”.

وهنا يبرز دور العالم الرباني؛ فعندما شكا جماعة من أهل السنة للإمام ابن الجوزي هذا الحال، أجابهم بكلمات الصبر واليقين: “اصبروا فلا بد للشبهات أن ترفع رأسها في بعض الأوقات، وإن كانت مدموغة. وللباطل جولة وللحق صولة والدجالون كثير. ولا يخلو بلد ممن يضرب البهرج على مثل سكة السلطان”. إن الباطل مهما انتفش، فإنه يبقى زبداً يذهب جفاءً، بينما الحق يبقى راسخاً كالجبال.

المنهج النبوي: الإيمان بالجمل لا بالتفاصيل

يوضح ابن الجوزي قاعدة ذهبية في التعامل مع عقائد الناس، وهي أن الله عز وجل ورسوله ﷺ قنعا من الخلق بالإيمان بالجمل، ولم يكلفوهم معرفة التفاصيل الدقيقة التي تعجز العقول عن إدراكها. والسبب في ذلك يرجع لأمرين:
1. خوف خبط العقائد: فإقحام العامة في تفاصيل فلسفية قد يفسد عليهم يقينهم الفطري.
2. عجز القوى البشرية: فالعقل البشري له حدود لا يتجاوزها، والبحث فيما وراء ذلك يؤدي إلى التيه.

لقد جاء الرسول ﷺ بإثبات الخالق، ونزل عليه القرآن بالأدلة الواضحة التي تخاطب الفطرة، كقوله تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا}، وقوله سبحانه: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}. فاستدل على وجوده بمخلوقاته، وعلى قدرته بمصنوعاته، ثم أثبت نبوته بالمعجزات، وعلى رأسها القرآن العظيم الذي عجزت الخلائق عن الإتيان بمثله.

القرآن الكريم: كلام الله المسموع والمحفوظ

لقد بالغ القرآن الكريم في إثبات حقيقته وتأكيد كونه كلام الله، ليكون منبعاً للعلوم وشفاءً للصدور. وتأملوا رحمكم الله كيف وصفه الله في آياته:

  • أخبر أنه كلامه حقيقة: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ}.
  • أخبر أنه مسموع: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}.
  • أخبر أنه محفوظ ومكتوب: {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ}، وقوله: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ}، وقوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ}.

بل إن الله عز وجل تولى بنفسه وعيد المكذبين بالقرآن، فبينما أوكل عذاب الأمم السابقة للملائكة (كصيحة جبريل بثمود، وريح عاد)، قال في حق من كذب بالقرآن: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ}، وقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا}. وذلك لأن القرآن هو أصل الشرائع والمثبت لكل نبوة سبقت، فالتشكيك فيه تشكيك في أصل الدين كله.

تاريخ البدعة وثبات أهل السنة

يسرد ابن الجوزي تاريخ ظهور هذه الشبهات، وكيف أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في القرن الأول كانوا على مشرب صافٍ لم يتكدر. حتى دس الشيطان دسائس البدع، فزعم قوم أن القرآن مخلوق، فثبت الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- ثباتاً عظيماً، لئلا يُمحى تعظيم القرآن من النفوس.

ثم نشأت فتنة أخرى مع علي بن إسماعيل الأشعري، الذي ادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس، مما أدى في النهاية إلى القول بأن ما بين أيدينا مخلوق. وهذا الخوض زاد في خبط العقائد، وما زال أهل البدع يضطربون في هذا التيار إلى يومنا هذا. إن السلامة تكمن في الوقوف حيث وقف القوم، والتمسك بظواهر الشرع التي تعب الرسول ﷺ في إثباتها.

الحكمة من إبقاء العوام على الظواهر

يطرح الإمام ابن الجوزي رؤية تربوية وعقدية عميقة، وهي أن إثبات الإله بظواهر الآيات والسنن ألزم للعوام من تحديثهم بالتنزيه المجرد. ويستشهد بقول ابن عقيل: “الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي والسنن؛ لأنهم يأنسون بالإثبات، فمتى محونا ذلك من قلوبهم زالت السياسات والحشمة”.

إن العامي إذا قيل له إن الله ليس له كذا وليس هو في كذا (على سبيل النفي المحض والتنزيه الفلسفي)، فإنه قد ينتهي به الأمر إلى نفي وجود الخالق أصلاً في قلبه. أما الإثبات الذي جاء به الشرع، فإنه يغمسهم في تعظيم الخالق، فيطمعوا ويخافوا ويرجوا رباً قد أنسوا بصفات كماله.

تأملوا في قصة الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ: “أو يضحك ربنا؟”، فقال النبي ﷺ: “نعم”. فلم ينكر عليه النبي ﷺ هذا الفهم، بل أقره عليه، لأن هذا الإثبات يورث في قلب الأعرابي محبة الله ورجاءه، وهو المقصود الأعظم من التكليف.

الخاتمة: طريق السلامة في الاتباع لا الابتداع

إن الخلاصة التي ينتهي إليها الإمام ابن الجوزي هي وجوب الوقوف مع السمعيات، ونفي ما لا يليق بالحق سبحانه دون الدخول في تفاصيل لا يدركها العقل. فإذا كنا نجهل حقيقة الروح التي بين جنبينا، فكيف نطمع في إدراك حقيقة صفات الخالق سبحانه؟

إن الخوض في هذه المسائل يزيد الخائض تخبيطاً، ولا يفيده يقيناً. فلا وجه للسلامة إلا طريق السلف الصالح، وهو الإيمان بما ورد كما ورد، مع تعظيم شعائر الله، وصيانة القرآن الكريم في الصدور والسطور، والابتعاد عن كل ما يثير غبار الشبهات في قلوب المؤمنين. نسأل الله أن يثبتنا على السنة، ويعيذنا من مضلات الفتن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *