هل تستدعي واشنطن اليوم أشباح الحرب العالمية الثانية من رقدتها؟ يبدو أن أروقة البيت الأبيض لم تعد تكتفي بضجيج السياسة، بل انتقل الصدى إلى قلاع الصناعة الكبرى، حيث تلوح في الأفق ملامح تحول عميق يعيد صياغة اقتصاد الحرب في ثوبه الحديث، واضعاً عمالقة المحركات والآلات أمام اختبار المصير.
تحالف المحركات والمدافع: حين تخلع الصناعة رداء السلم
تتجه الإدارة الأمريكية اليوم نحو استراتيجية لا تعرف المواربة، تهدف إلى دمج عمالقة التصنيع المدني في قلب الآلة العسكرية. لم يعد الأمر مجرد تفاهمات عابرة، بل هو استنفار للقاعدة الصناعية لسد الفجوات التي خلفتها النزاعات المستعرة في أوكرانيا وإيران. لقد فتحت وزارة الدفاع قنواتها الرسمية مع رؤساء شركات «جنرال موتورز» و«فورد» و«أوشكوش»، في محاولة لاستعادة مشهد تاريخي غاب لعقود؛ حين كانت خطوط إنتاج السيارات هي ذاتها التي تمد الجبهات بالعتاد.
وتشير التقارير الواردة من «وول ستريت جورنال» إلى أن المباحثات تجاوزت مرحلة الاستكشاف إلى وضع النقاط على الحروف، حيث تسعى الدولة لاستغلال القوى العاملة الماهرة والمصانع الضخمة لتعويض النقص الحاد في القذائف وتقنيات الدفاع ضد المسيرات، وهو ما وصفه وزير الحرب «بيت هيغسيث» بأنه وضع للاقتصاد القومي على قدم وساق مع متطلبات الميدان الحقيقية.
عمالقة المدنية في مضمار العسكر
رغم أن شركات مثل «أوشكوش» و«جنرال موتورز» تمتلك أذرعاً دفاعية، إلا أن وزنها الحقيقي يكمن في القطاع المدني. فشركة «أوشكوش» التي تدر مليارات الدولارات سنوياً، تجد نفسها اليوم في حوار جاد لزيادة وتيرة إنتاجها العسكري، بينما تتحضر «جنرال موتورز» لتكون منافساً شرساً في بناء مركبات مشاة ثقيلة تخلف «الهامفي» العريقة، لتصبح هذه الشاحنات مراكز طاقة متنقلة وقواعد قيادة في ساحات المعارك المستقبيلة.
لغة الأرقام: ميزانية التريليونات وتغيير قواعد اللعبة
يقود هذا التحول الجذري «ستيف فاينبيرغ»، الرجل الثاني في البنتاغون القادم من خلفية مالية صلبة، حيث يتبنى نهجاً يتسم بالصرامة المطلقة مع المقاولين التقليديين. تتجلى طموحاته في أرقام تعكس حجم التحدي:
- الميزانية المقترحة: 1.5 تريليون دولار، ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
- الاستثمارات المباشرة: 30 مليار دولار للمشتريات بموجب قانون الإنتاج الدفاعي، و20 مليار دولار للقروض الاستراتيجية.
- قفزات الإنتاج: رفع إنتاج صواريخ "باتريوت" إلى 2000 صاروخ سنوياً (ثلاثة أضعاف المعدل السابق).
- التزامات الشركات: زيادة إنتاج صواريخ "توم هوك" وصواريخ تكتيكية أخرى لتصل إلى أربعة أضعاف الإنتاج الحالي.
صرامة "فاينبيرغ" وهيكلة القياصرة
لا يتوقف الأمر عند ضخ الأموال، بل يمتد إلى ثورة إدارية داخل البنتاغون. أعاد فاينبيرغ تنظيم الهيكلية ليجعل مديري البرامج الحيوية، أو من يسمون بـ «قياصرة البرامج»، يرفعون تقاريرهم إليه مباشرة. هذا الأسلوب «الاستثماري» في إدارة الدولة أثار حفيظة البيروقراطية التقليدية، لكنه في نظر القادة العسكريين ضرورة حتمية لوضع الصناعة في حالة تأهب قصوى.
ميزان القوة ومخاطر الاستعجال
وسط هذا السباق المحموم، تبرز أصوات الحكمة محذرة من الانجراف خلف الأنظمة الباهظة الثمن فقط. يرى خبراء عسكريون أن التوازن بين الجودة والكمية هو مفتاح النصر، خاصة وأن حروب العصر الحديث أثبتت أن الأسلحة الرخيصة والمتاحة بكميات ضخمة قد تستنزف أعتى الترسانات. وفي الوقت ذاته، تبرز مخاوف من أن يؤدي تسريع وتيرة الشراء إلى القفز فوق اختبارات السلامة والموثوقية، مما يضع حياة الجنود على المحك في سبيل السرعة.
إن ما تشهده الولايات المتحدة اليوم هو محاولة لصياغة نسخة حديثة من «ترسانة الديمقراطية»، حيث تندمج القوة المالية لقطاع الاستثمار مع القدرة التصنيعية للقطاع المدني. هو رهان كبير على قدرة التكنولوجيا والمال على تأمين التفوق في عالم مضطرب، تظل فيه المصانع هي القلب النابض لكل نفوذ سياسي أو عسكري.
خاتمة:
إن تحويل المصانع من إنتاج الرفاهية إلى صناعة الموت هو قرار يغير وجه الحضارة قبل أن يغير موازين القوى. وبينما تسعى واشنطن لترميم ترسانتها، يبقى السؤال الفلسفي قائماً: هل تستطيع الآلة أن تضمن السلام، أم أن وفرة السلاح هي التي تغري دائماً بقرع طبول الحرب؟ إن التاريخ يعلمنا أن القوة التي لا يضبطها لجام الحكمة، قد تنتهي بالتهام صانعيها.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً