# طريق النبوة: المعلم الأسمى والمنهج الأقوم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إن المتأمل في أحوال السالكين إلى الله تعالى يجد أن الطرق شتى، ولكن الحق واحد، والسبيل الموصل إلى مرضاة الله هو ذلك الصراط المستقيم الذي خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله وتقريره. لقد لخص الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الفذ “صيد الخاطر” جوهر هذا الطريق، مبيناً أن طريق النبوة هو الطريق الأمثل، والجادة السليمة التي لا اعوجاج فيها.
كمال المنهج النبوي وبطلان الانحراف
إن أعظم ما يتقرب به العبد إلى مولاه هو الاقتداء بصاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، والبدار إلى الاستنان به، فهو الكامل الذي لا نقص فيه، وهو المعصوم الذي جعل الله طاعته من طاعته. إلا أن المتتبع للتاريخ الإسلامي يجد أن فئات من الناس قد ضلت عن هذا الميزان الدقيق، وانحرفت يمنة ويسرة.
فمن الخلق من انحرفوا إلى جادة الزهد المتطرف، وحملوا أنفسهم فوق طاقتها من الجهد والمشقة، فما أفاقوا في أواخر أعمارهم إلا وقد نهكت أبدانهم، وضاعت عليهم كنوز عظيمة من العلم والعمل النافع. وفي المقابل، نجد أقواماً انحرفوا إلى صورة العلم الجافة، فبالغوا في طلبه كترف فكري، حتى إذا تقدم بهم العمر أدركوا أنهم قد فاتهم العمل بما علموا، فبقيت علومهم حجة عليهم لا لهم.
إن طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم هو الطريق الذي يزاوج بين العلم والعمل، مع التلطف بالبدن وإعطائه حظه من الراحة والقوة، ليكون عوناً للروح على طاعة الله. وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم حين أوصى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بقوله: “إن لنفسك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً”. فهذه هي الطريق الوسطى والقول الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
العلم والعمل: ميزان التفاضل
إن الاكتفاء باليبس المجرد والزهد الخالي من فقه الشريعة قد فوت على أصحابه علماً جماً، لو حصلوا عليه لنالوا بسببه من الدرجات ما هو أعظم مما نالوه بمجرد العمل البدني. ولتقريب الصورة، يضرب لنا ابن الجوزي مثلاً بليغاً؛ فمثل العالم كرجل خبير بالطريق ومسالكها، ومثل العابد الجاهل كرجل يجهل الخارطة والمسار. فقد يمشي العابد من الفجر إلى العصر في تعب ونصب، ثم يقوم العالم قبيل العصر فيسير وقتاً يسيراً، فيلتقيان وقد سبق العالم بفضل معرفته وحسن شوطه.
وإذا سألت عن حقيقة هذا السبق، فاعلم أن صورة التعبد هي خدمة لله وذل له، ولكن العابد الجاهل قد تغيب عنه المعاني الباطنة لهذه الصور، فيظن بجهله أنه أصبح أهلاً للكرامات، أو أنه مستحق لتقبيل يده، أو أنه خير من الناس، وكل ذلك نابع من قلة العلم. والمقصود بالعلم هنا هو “أصول العلم” وفقه المقاصد، وليس مجرد كثرة الرواية أو التبحر في مسائل الخلاف العقيمة.
فالعالم الأصولي عندما يطالع حقائق الشرع، يسبق العابد بحسن خلقه، ومداراته للناس، وتواضعه في نفسه، وإرشاده الخلق إلى الله بحكمة. أما العابد الجاهل، فقد يعسر عليه ذلك، وهو في ليل جهله راقد، لا يرى إلا نفسه وعمله.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في معاشرة الخلق والنفس
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق، يعطي كل ذي حق حقه في توازن مذهل. فمن تأمل حياته رآه يمزح، ويضحك، ويداعب الأطفال، ويسمع الشعر، ويتكلم بالمعاريض اللطيفة، ويحسن معاشرة النساء. كان صلى الله عليه وسلم يأكل ما تيسر له من الطيبات، فإذا أتيح له العسل أكله، وكان يستعذب له الماء، ويفرش له في الظل، ولم يكن ينكر ذلك أو يراه منافياً للزهد.
ولم يُنقل عنه قط ما أحدثه جهال المتصوفة والمتزهدين من منع النفس شهواتها المباحة على الإطلاق. فقد كان صلى الله عليه وسلم يأكل البطيخ بالرطب، ويقبّل أزواجه، ويطلب المستحسنات من الرزق الحلال. أما أولئك الذين يحرمون على أنفسهم خبز البر ويقتصرون على الشعير، ويزنون مأكولهم بالذرة، ويجففون أبدانهم بهجر كل مشتهى، فإنما هم يعذبون أنفسهم ويهدمون بنيانهم، وهو أمر لا يقتضيه عقل سليم ولا يمدحه شرع قويم.
إن النبي صلى الله عليه وسلم، مع استمتاعه بطيبات ما أحل الله، كان يوفي العبادة حقها؛ فيقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويجتهد في الذكر ما لا يجتهده غيره. فعليك بطريقته الأكمل، وبشرعته التي لا شوب فيها، ودع عنك أقاويل الزهاد الذين خالفوا هديه، واحمل أمرهم على أحسن محمل، ولكن لا تجعلهم قدوتك في خلاف السنة.
آفات الانحراف عن الشريعة
إن فساد أحوال الناس لم يأتِ إلا من الانحراف عن الشريعة. ولقد ظهرت في المتصوفة والمتزهدين آفات خرقوا بها سياج الشرع؛ فمنهم من ادعى المحبة والشوق وهو لا يعرف صفات المحبوب، فتراه يصيح ويستغيث ويمزق ثيابه في تصرفات تخرج عن حد العقل والشرع.
ومنهم من حمل على نفسه بالجوع الدائم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعبد الله بن عمرو: “صم يوماً وأفطر يوماً”، فلما طلب الأفضل قال له: “لا أفضل من ذلك”. ومنهم من خرج للسياحة في الأرض فأضاع صلاة الجماعة، ومنهم من دفن كتب العلم بدعوى التفرغ للعبادة، وما علم أن دفن العلم خطأ قبيح؛ لأن النفس تغفل وتحتاج للمذكر، ونعم المذكر كتب العلم.
إن إبليس قد دخل على هؤلاء من باب الجهل، وكان مقصوده من دفن الكتب إطفاء المصباح ليخلو بالعابد في الظلمة فيقوده حيث شاء. ولقد صدق من قال من العلماء لمن أراد اعتزال الناس في الجبال: “هذه هوكلة” (أي حب للبطالة). فالعزلة وإن كانت حسنة في مواضع، إلا أنها لا يجب أن تمنع من خير، كجماعة، أو اتباع جنازة، أو عيادة مريض. إن العزلة المطلقة حالة الجبناء، أما الشجعان فهم الذين يتعلمون ويعلمون، وهذه هي مقامات الأنبياء عليهم السلام.
قصص من واقع الجهل بالدين
يروي لنا التاريخ قصصاً تدمي القلب عما فعله الجهل بأصحابه؛ فهذا رجل يرى أن فعل ما يؤذي النفس فضيلة، وآخر يدخل الحمام فيقسم ألا يخرج حتى يسبح عدداً هائلاً من التسبيحات فمرض وهلك. وآخرون قنعوا بصورة اللباس وتظاهروا بالزهد وفي باطنهم من الجهل ما لا يسعه كتاب.
ولقد عاين ابن الجوزي رجلاً يصلي بالناس صلاة الضحى جماعة ويجهر بها، فلما نُصح بأن صلاة النهار عجماء (سرية)، غضب الزاهد وقال: “نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام!”. فوا عجباً لمن يترك السنة الصحيحة ليعالج نومه ببدعة! وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام ويقوم، ولم تمر عليه ليلة إلا ونام فيها.
ومن أعجب القصص قصة ذلك الرجل الذي عاهد الله على أمر ونقضه، فجعل عقوبته لنفسه ألا يأكل أربعين يوماً، فما زال يضعف حتى استطرح في العشر الرابع، فلما تمت الأربعون شرب ماءً فسمعوا لصوته في حلقه غلياناً كغليان الماء على المقلاة من شدة يبس أمعائه، ثم مات بعدها بأيام. إن ظاهر هذا الفعل أنه انتحار ومعصية، ولو سأل العلماء لعرف أن فعله حرام وأن عليه أن يأكل.
الخاتمة: العودة إلى النبع الصافي
إن الشفاء والمطلوب هو في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، الذين كانوا يؤثرون على أنفسهم ولكنهم لا يبتدعون في الدين ما ليس منه. فلا ينبغي للعاقل أن يقلد أحداً لمجرد شهرة اسمه، فالمقلد أعمى، ومن فهم حقيقة طريق النبوة طلب الأفضل والأعلى.
إن طريق النبوة هو طريق العلم الذي يضيء البصيرة، والعمل الذي يزكي الروح، والوسطية التي تحفظ البدن. فاستمسك بهذا العروة الوثقى، واجعل السنة إمامك، تجد السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة. والله الموفق لما يحبه ويرضاه.


اترك تعليقاً