طغيان الشخصنة في ميزان الوحي: نحو استعادة مركزية المبدأ في الوعي الإسلامي

طغيان الشخصنة في ميزان الوحي: نحو استعادة مركزية المبدأ في الوعي الإسلامي

استهلال: القرآن الكريم بوصلة الوجود

إنَّ القرآن الكريم هو المنهل العذب الذي تنبجس منه التصورات الكلية، والمفاهيم العلوية، والقيم السامية التي ترسم للإنسان معالم الطريق؛ ليحقق غايته الوجودية الكبرى، سواء في تزكية نفسه ليكون أهلاً للتكريم الإلهي، أو في عمارة الأرض التي استُخلف فيها، طلباً للحياة الطيبة وإحقاقاً للحق. من هنا، فإنَّ كتاب الله سبحانه وتعالى يمدُّ المستمسك بعروته بقواعد راسخة للتفكير والعمل، يستوي في الاستضاءة بنورها العاميُّ والخبيرُ المتخصص في شتى ضروب المعرفة.

إنَّ الإعراض عن مائدة القرآن المعرفية، أو الذهول عن هداياته، يورث النفس ضنكاً ويوقع المجتمع في اضطراب مريج. ولعلَّ من أسمى ما زوّدنا به الوحي من قواعد النظر، وما وضعه من سياجات أخلاقية تحمي المجتمعات من الأفول والهلاك، هو ما يتعلق بضبط موقع الأشخاص في البناء الاجتماعي، وتحديد أطر الفعل البشري في مختلف الدوائر؛ قادةً كانوا، أو أرباب أُسَر، أو رموزاً في ميادين السياسة والفكر والدين.

أصالة المبدأ وتحرير الحق من قيد الرجال

يقيم القرآن الكريم صلة المؤمن بالفكرة السامية والمثل الأعلى، وينأى به عن الارتهان للأشخاص مهما سمت مكانتهم أو تغلغلت محبتهم في السويداء؛ ذلك أنَّ القرآن يجعل الولاء المطلق والاتباع المحض للحق وحده. وقد تجلى هذا الفهم العميق في الأثر المروي عن علي رضي الله عنه حين قال: "لا تعرفوا الحق بالرجال، اعرفوا الحق تعرفوا أهله".

إنَّ ربط الحق بالذوات البشرية محفوف بمخاطر جمة، لذا نجد الهدي القرآني يربطنا بالمبدأ ليكون حاكماً على الأشخاص ومواقفهم، صيانةً للأمة من الغلو، وحمايةً للفكرة من أن ترتبط بالأشخاص ارتباطاً مرضياً يتحول إلى عائق يمنع استمرار الرسالة إذا ما اعتري الشخص عارضٌ من غياب أو انحراف أو فناء.

الدرس النبوي: عصمة الرسالة وبشرية الرسول

بالرغم من المركزية المطلقة لشخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعصمته الربانية، وكمال خُلقه الذي جعله الله سبحانه وتعالى لنا أسوة حسنة، إلا أنَّ القرآن الكريم قرّر حقيقة كبرى؛ وهي أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم رسولٌ مبلّغ، لا يجوز أن ينقلب الناس على أعقابهم إن ناله مكروه البشرية.

لقد حذّر الوحي من خطورة تجسيد الحق في الذات حتى مع مقام النبوة، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذاته خاضع للحق، متبع لما يوحى إليه. يقول الله تبارك وتعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) [آل عمران: 144].

  • تنبيه رباني: جاء هذا النداء في أحلك الظروف يوم أُحد، حين شاع نبأ استشهاد النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون درساً للأمة في الثبات على المبدأ.
  • مقصد شرعي: ليس الهدف من هذا التوجيه التهوين من قدر المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل حماية الوعي الجمعي من خطر "تضخيم الأشخاص" على حساب ديمومة الرسالة.

تداعيات طغيان الشخصنة على مشروع النهضة

إنَّ سعينا المعاصر نحو استعادة الدور الحضاري يواجه عقبة كؤوداً تتمثل في طغيان الشخصنة، وتجسيد الأفكار في ذوات فانية، وهو ما يفرز نتائج كارثية على أصعدة عدة:

أولاً: العطب الفكري

عندما تُرتهن الأفكار بالأشخاص، نُحرم من قبول الحق إذا جاء من خصم، ونتورط في تبني الزيف إذا صدر عمن نُقدّس. إنَّ تجريد الفكرة عن قائلها هو السبيل الوحيد لتقدير الرجال والأفكار قدرهم الصحيح.

ثانياً: التردي الأخلاقي

حين يتجسد المثال الأعلى في شخص ما، فإنَّ سقطاته تتحول إلى زلزال يضرب قيم المجتمع. فإما أن يُرفض المبدأ بسقوط الشخص، وإما أن يحدث ارتداد فكري يبحث فيه الناس عن "بديل وثني" يعوض إحباطهم.

ثالثاً: الانتكاسات السياسية والدعوية

إنَّ كثيراً من تجارب الصحوة والتجديد، بل ومحاولات التحرر السياسي، قد أُجهضت بسبب "تمركز الأشخاص". لقد رأينا كيف تحول قادةٌ من رموز للتحرر إلى أدوات للاستبداد الشعبوي، لأنَّ الجماهير لم تكن محصنة بالفكرة، بل كانت خاضعة للذات، مما جعلها لا تبصر الانحراف حتى أوردها المهالك.

الخاتمة: العودة إلى رحاب الحق

إنَّ استعادة العافية الحضارية رهينة بالتحرر من أغلال الشخصنة، والفيء إلى ظلال المبدأ الذي لا يزول بزوال الرجال. إنَّ الجماعة هي ما وافق الحق ولو كنت وحدك، والمعيار هو الاستمساك بالوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينير بصائرنا للحق، ويعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ويجعل ولاءنا لمنهجه القويم، لا للأهواء والذوات، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *