تتجلى رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده في آيات القرآن الكريم التي تفيض بالطمأنينة والسكينة، ومن أعظم هذه الآيات قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}؛ فهي إعلان رباني بأن عين الله لا تنام، وعلمه لا يغيب، وقدرته لا يعجزها شيء، فهو المحيط بظواهر الأمور وبواطنها، والمطلع على أنات المجروحين وغطرسة الظالمين.
سهم في قلب الظالم وبلسم للمظلوم
وصف الإمام الشافعي رحمه الله هذه الآية بدقة متناهية حين قال إنها “سهم في قلب الظالم، وبلسم على قلب المظلوم”؛ فهي تحمل في طياتها معنيين متقابلين:
- للمظلوم: هي طوق نجاة، تخبره أن كل دمعة وكل وجع مرصود عند الله ولن يضيع سدى.
- للظالم: هي وعيد مرعب، تذكره بأن استدراجه ليس إهمالاً، بل هو إمهال من رب لا ينسى.
- الفرح المؤقت: ما أنتم فيه من تمكين زائل، ومصيره العار في الدنيا والجحيم في الآخرة.
- المرصاد الرباني: الله يرقب أفعالكم، ولا يغيب عنه ذرة من إجرامكم.
- دعوة المظلوم: احذروا من سهام الليل؛ فدعاء المظلوم يصعد إلى السماء كالشرر، وليس بينه وبين الله حجاب.
- معية الله: الله معكم، يرى تضحياتكم ويسمع استغاثاتكم، ولن يخذل إيمانكم وصبركم.
- التضحيات محفوظة: كل قطرة دم، وكل أنين جريح، وكل ألم فقدٍ، مكتوب في سجلات الخلود التي لا تمحى.
- الصبر والمرابطة: جهادكم وثباتكم في وجه آلة البطش هو محل تقدير إلهي، والله لا يضيع أجر المحسنين.
- كتاب الإحصاء: قال تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا}، فلا يغيب عن علمه عدد، ولا يضل عن حكمه ميزان.
- المفاجأة الكبرى: يوم القيامة، سيواجه المجرمون صحائف أعمالهم، حيث تتجسد الأفعال واقعاً يقرؤونه ويتحسرون عليه، حين يقولون بذهول: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}.
رسالة إلى الطغاة والمعتدين
إن الفرح الزائف الذي يشعر به المعتدون وهم يسفكون الدماء ويقتلون الأطفال والنساء والشيوخ هو متاع مؤقت يتبعه خزي أبدي. ونقول لكل من تجبر في الأرض:
بشرى لأهل الثبات في غزة المكلومة
إلى أهلنا الصامدين في غزة، وإلى كل مكلوم على وجه الأرض، إليكم هذه البشارات:
السجل الإلهي الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة
يجب أن يدرك الجميع أن هناك إحصاءً دقيقاً لكل حركة وسكنة في هذا الوجود:
اليقين في عدالة السماء
إن كل دعوة تُرفع إلى السماء، وكل آهة تخرج من صدر معذب، هي رصيد مذخور عند الله تعالى. إن الله لا ينسى، ولا يضل، ولا يغفل.
ختاماً: نذكّر المفسدين في الأرض أن الظلم “ظلمات يوم القيامة”، وأن محاولات طمس الحقائق وإخفاء معالم الجرائم لن تنفع أمام من “أحصى كل شيء عدداً”، فثقوا بتدبير الله، واعلموا أن نصر الله آتٍ لا محالة.


اترك تعليقاً