عدسة في مهب الرصاص: حكاية المصور جعفر اشتية حين يغدو الشاهد ضحية

عدسة في مهب الرصاص: حكاية المصور جعفر اشتية حين يغدو الشاهد ضحية

حين تذرف الكاميرا دماً: قصة المصور جعفر اشتية

هل يمكن للعين التي ترصد الحقيقة أن تصبح هي الهدف؟ في تلال نابلس، حيث تعانق أشجار الزيتون السماء، وجد المصور الفلسطيني جعفر اشتية نفسه في قلب العاصفة. لم يكن اشتية، المصور المخضرم الذي أفنى 58 عاماً من عمره في ملاحقة الضوء، غريباً عن ميادين الخطر، لكن ما حدث معه قرب بلدة عقربا كان فصلاً جديداً من فصول القهر التي تُكتب بالدم والحديد.

بدأ يومه كالمعتاد، يحمل كاميرته كرسالة مقدسة لتوثيق صمود المزارعين في موسم قطف الزيتون، لكن المشهد سرعان ما انقلب؛ فتحولت العدسة من أداة للرصد إلى ضحية للتحطيم، وتحول المصور من شاهدٍ على الجريمة إلى جسدٍ مثخنٍ بجراحها.

وقائع الاعتداء: غدرٌ تحت ظلال الزيتون

بينما كان جعفر وزميله "جون ويسلز" يرقبان بكاميراتهم جندياً يحتجز مزارعاً فلسطينياً، اندفعت نحوهم دراجة رباعية من علو التل، كوحشٍ كاسرٍ يبحث عن طريدة. لم يكتفِ المهاجمون بإطلاق النار الذي أصاب فلسطينياً في قدمه، بل انقضّ ستة من المستوطنين المسلحين باتجاه الصحفيين.

حاول جعفر اشتية الاحتماء بسيارته التي تحمل شارة "صحافة" (PRESS) بخط عريض وواضح، ظناً منه أن القوانين الدولية قد توفر له ملاذاً، لكن أعقاب البنادق كانت أسرع من أي قانون. انهالوا عليه بالضرب المبرح على رأسه وجذعه، في مشهدٍ يجسد محاولة اغتيال الحقيقة قبل اغتيال الجسد. ولم يكتفِ المعتدون بالضرب، بل استولوا على معدات التصوير، تاركين المصور يصارع آلامه قبل أن يُنقل إلى مستشفى نابلس تحت مراقبة طبية مكثفة.

صمت المدافع وتواطؤ السلاح

إن أشد ما يؤلم في رواية "ويسلز"، زميل اشتية، ليس فقط وحشية المستوطنين، بل ذلك المشهد السريالي لـ 12 جندياً إسرائيلياً مدججين بالسلاح، يقفون على بعد 500 متر فقط من مسرح الجريمة. وقف هؤلاء الجنود موقف المتفرج، في صمتٍ مريب يمنح المعتدي ضوءاً أخضر للاستمرار في بطشه.

هذا المشهد ليس حادثاً عارضاً، بل هو نمط متكرر يعكس سياسة تكميم الأفواه بالترهيب، وهو ما دفع مدير الأخبار العالمية في وكالة الصحافة الفرنسية، فيل تشيتويند، لوصف الأمر بأنه "غير مقبول"، مطالباً بتحقيقٍ لا يكتفي بالاعتداء بل يبحث في مسببات هذا الصمت العسكري المطبق.

لغة الأرقام: الصحافة في مرمى النيران

لا يتوقف الأمر عند حالة فردية، فالحقائق الإحصائية ترسم صورة قاتمة لواقع العمل الصحفي في الأراضي المحتلة. وفقاً لتوثيق لجنة حماية الصحفيين، شهدت الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري تصعيداً خطيراً:

  • 16 حادثة اعتداء: نفذها مستوطنون ضد الكوادر الإعلامية.
  • 35 صحفياً مستهدفاً: شملت الانتهاكات صحفيين فلسطينيين، إسرائيليين، ودوليين.
  • 5 حالات موثقة: أثبتت وجود قوات الأمن في مكان الاعتداء دون تدخل يُذكر.
  • اعتقالات متزامنة: في ذات اليوم، تم احتجاز الصحفيين محمد عتيق ومحمد عابد جنوب جنين، لضمان غياب الشهود عن عمليات اقتلاع أشجار الزيتون.

الخاتمة: الحقيقة لا تموت

إن الاعتداء على جعفر اشتية في موسم الزيتون ليس مجرد حادث عابر، بل هو محاولة لكسر الرمزية التي يمثلها هذا الموسم للفلسطينيين. فالزيتونة التي تُسقى اليوم بدموع المصورين وعرق المزارعين، تظل شاهدة على صراع بين حقٍ أعزل وقوةٍ غاشمة. قد تتحطم الكاميرا، وقد يغيب المصور خلف جدران المستشفيات أو المعتقلات، لكن الحقيقة التي التقطتها العدسة قبل تحطمها تظل محفورة في ذاكرة التاريخ، عصية على المحو أو النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *