عقيدة الإيمان بالقدر في مواجهة نوازل العصر: واجب الوقت وملاذ الروح
إنَّ عقيدة الإيمان بالقدر ليست مجرد ركنٍ من أركان الإيمان الستة، بل هي مِحورُ الرَّحى الذي تدورُ عليه طمأنينةُ العبدِ، والينبوعُ الذي يستقي منه المؤمنُ ثباتَه في مهبِّ الخطوب. إنها استبصارٌ بأنَّ الله سبحانه وتعالى قد أحاط بكل شيء علماً، وأنَّ مشيئتَه نافذةٌ في ملكوته، وقدرتَه هي المهيمنةُ على كل ما في الكون من حركةٍ وسكون.
كمال الألوهية وجلال القدر
إنَّ الإيمان بالقدر الذي جاء به الإسلام يمثل قمة الكمال الإلهي الذي تنفرد به العقيدة الإسلامية؛ تلك العقيدة التي صححت أوهام الفلسفات وانحرافات الملل في تصور الألوهية.
فالإله في الإسلام ليس كياناً هلامياً كما تصورته الفلسفات، بل هو ملك الملوك، ومالك الخلق والأمر، رب العالمين. هو الذي خلق كل شيء بقبضة قدرته، فلا يخرج عن سلطان ملكه حيٌّ ولا جماد. يقدر ما يشاء، ويفعل ما يريد، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
ومع هذا الجلال، هو اللطيف الكريم، العدل الرحيم، العليم الحكيم. لا يظلم أحداً، ولا يؤاخذ أحداً بذنب غيره، ولا يبخس أحداً ثواب سعيه. فالظلم ممتنع في حقه سبحانه، إذ هو تنزيهٌ عن معاقبة المرء على ما لم يفعل، أو إضاعة أجر ما قد عمل، والله عز وجل يقول:
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء: 40)
التمييز بين القدر الإسلامي والتصورات الفلسفية
لقد قامت عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين على أنَّ الإيمان بالقدر ليس إيماناً بالحظ أو المصادفة أو العبثية؛ خلافاً لما ينقله المترجمون عن الفلسفات اليونانية والغربية، الذين يتحدثون عن "القدر الأعمى" أو "القدر الأحمق" أو "سخرية الأقدار". إنَّ الإسلام بريءٌ من هذه المصطلحات التي تفتقر للأدب مع الله سبحانه وتعالى.
إنَّ القدر في الإسلام هو يقينٌ بأنَّ كل ما يقع في الوجود إنما يقع بناءً على ترتيب مسبق، وتصميم دقيق، وتدبير محكم، وقدرٍ عزيز عليم. وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب هذا الإيمان.
المنهج النبوي في تربية النفوس على الرضا
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلم الأول والمزكي للنفوس، وقد تجلت هذه التزكية في توجيهات نبوية تعدُّ بلسماً لأدواء النفوس، وتدريباً عملياً على التسليم والرضا.
أولاً: الاستعانة بالله وترك التحسر
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ."
الدروس المستفادة:
- المسلم مطالب بالأخذ بالأسباب والحرص على النافع.
- كلمة "لو" تفتح باب الندم والحزن وتورث القلق والاضطراب.
- العلاج العملي عند وقوع المكروه هو قول: "قدر الله وما شاء فعل".
ثانياً: صلاة الاستخارة تفويضٌ وتسليم
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:
"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ -وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ- خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ."
هذا التوجيه النبوي هو تدريبٌ عملي على سكون النفس؛ فالمسلم يقف بين يدي ربه متبرئاً من حوله وقوته، مفوضاً الأمر لمن يعلم عواقب الأمور، فإن تيسر الأمر فهو الخير، وإن صُرف عنه فهو الخير أيضاً.
وقد روى الأعمش عن مسعود رضي الله عنه قوله:
"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَهُمُّ بِالتِّجَارَةِ أَوِ الإِمَارَةِ حَتَّى تُيَسَّرَ لَهُ، فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، فَيَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: اصْرِفُوهَا عَنْهُ، فَإِنِّي إِنْ يَسَّرْتُهَا لَهُ أَدْخَلْتُهُ النَّارَ، فَيَصْرِفُهَا اللَّهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: مِنْ أَيْنَ دُهِيتُ؟ وَمَا هُوَ إِلا فَضْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ."
علاج الحسد والتبرم بالمقادير
من أعظم أدوية القلب التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم لمواجهة السخط وعدم الرضا قوله:
"انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ."
وفي رواية البخاري:
"إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ."
إنَّ النفس التي تستشرف دائماً ما في أيدي الآخرين لن تشبع أبداً، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
"لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إِلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ."
خاتمة: ثمرة الإيمان بالقدر
لو استمسك المسلمون اليوم بهذه التوجيهات النبوية، لاستقامت أحوالهم، ولأدركوا ثمرة الإيمان بالقدر حقيقةً؛ فالمؤمن الحقيقي هو الذي يرى في المنع عين العطاء، وفي البلاء محض الوفاء. إنَّ الرضا بالقدر هو جنة الدنيا، ومستراح العابدين، وبه تتحول المحن إلى منح، والآلام إلى آمال، ليبقى القلب معلقاً بمسبب الأسباب، راضياً عن رب الأرض والسماوات.
اللهم ارزقنا الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم.



اترك تعليقاً