عواريُّ المعارف: فقهُ إعارةِ الكتبِ وحِيَاضُ صِيانَتِها عندَ السَّلَف
لطالما كانت الكتبُ عند أولي النهى هي الذخائرَ النفيسة، والحدائقَ المونقة التي لا يُمَلُّ جناها، غير أنَّ بَذْلَ هذه الذخائر للآخرين ظلَّ مَحاراً للعقول بين جُودٍ يقتضيه نَشرُ العلم، وحَذَرٍ يستوجبه حِفظُ الأصول. إنَّ قضية إعارة الكتب في التراث الإسلامي ليست مجرد شأنٍ اجتماعي عابر، بل هي مسألةٌ أخلاقية وعلمية ضاربة في جذور أدبياتنا، تتقاطع فيها وصايا الحكماء بمرارة الفقد التي عبَّر عنها "بولونيوس" في رائعة شكسبير "هاملت" حين قال: "لا تُعر ولا تستعر، لأن الإعارة غالبًا ما تسبب خسارة في المال والأصدقاء!".
بينَ أريحيَّةِ البَذْلِ وفجيعةِ الفَقْد
يجد الشغوفُ بالكتاب نفسه أمام معضلةٍ وجدانية حين يطرق بابه طالبُ استعارة؛ فإما أن يُجيبَ بالبذلِ فيخاطر بفقدِ قطعةٍ من روحه، وإما أن يضنَّ بكتابه فيُتَّهم بالبُخلِ العلمي. إنَّ إعارة الكتاب تتجاوز كونها نَقلاً لشيءٍ مادي، بل هي نقلٌ لتجربةٍ شعورية وجزءٍ حيوي من ذاكرة القارئ؛ فالكتابُ المعار يحملُ بين طياته آثار الأمكنة، وعبق الحوارات، وهالات الانطباعات الأولى.
بيدَ أنَّ هذه الأريحية قد تصطدم بما يُعرف في علم النفس المعرفي بـ "تأثير التملك"، حيث يمتزج وجدان المستعير بالكتاب حتى ينسى أنه عاريةٌ مستردة، فإذا بالكتاب يغيبُ في غياهب النسيان، ويترك في قلب صاحبه حسرةً تتجدد كلما لاح عنوانه في الأفق، لاسيما إن كان الكتاب يحملُ إهداءً عزيزاً أو تقييداتٍ نادرة.
إعارة الكتب في التراث الإسلامي: موازنةٌ شرعية وأدبية
لقد أدرك أسلافنا العظام أنَّ العلمَ رَحِمٌ بين أهله، وأنَّ زكاة العلم بَذْلُه، فاستحضروا الوعيد الشديد في كتمان العلم، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}. ومن هذا المنطلق، اعتبروا البخل بمصادر المعرفة أشدَّ لؤماً من البخل بالمال.
ومع ذلك، واجهوا واقعاً مريراً يتمثل في استهتار بعض المستعيرين، مما دفع الباحث محمد خير رمضان يوسف في كتابه "آداب إعارة الكتب في التراث الإسلامي" لرصد أربعة اتجاهات رئيسة سلكها العلماء:
- الاتجاه الأول: الاستجابة المطلقة: وهم الذين يرون الإعارة واجباً شرعياً لنشر العلم، محتسبين الأجر عند الله عز وجل.
- الاتجاه الثاني: المنعُ المطلق: وهم الذين عانوا من ضياع كتبهم، فرفعوا شعار "كتابٌ مُعار، كتابٌ مفقود"، ومنهم من قال تمثلاً:
ألا يا مَن يَرومُ استعارةَ كُتبي .. أَمَا تَدري بأنَّ فِعَالَكَ سُمُّ؟
- الاتجاه الثالث: الإعارةُ برهن: وهو مسلكٌ فقهي يضمن عودة الكتاب، حيث لا يُعطى الكتاب إلا مقابل ضمانٍ مادي أو عيني، وفي ذلك قيل:
إنه ليس قبيحًا أخذُ رهنٍ من صديقِ!
- الاتجاه الرابع: التمييز بين المستعيرين: بحيث يُعارُ الكتاب للثقةِ الضابط، ويُمنع عن المتهاونِ والمُتلف.
شواهدُ الشَّغَفِ وحِيَلُ الصيانة
تزخر سيرُ الأعلام بقصصٍ تُبين مدى تعلُّقهم بكتبهم، فها هو شافع بن علي العسقلاني يترك عشرين خزانةً من المخطوطات، وكان من فِراسته وشغفه أنه يعرف الكتاب بمجرد لمسه رغم فقد بصره. وفي مقابل هذا الإجلال، نجدُ مواقفَ حازمة، كحال الحافظ السخاوي الذي هَمَّ بإلقاء كتبه في البحر قبيل وفاته غيرةً عليها، وإن كان قد تراجع عن ذلك تقديراً لمنفعة العلم.
إنَّ الفارق بين زمننا وزمن الوراقين هو أنَّ فَقْدَ الكتاب قديماً كان يعني ضياع نسخةٍ وحيدة قد لا تُستدرك، فكانت الإعارةُ مجازفةً بالميراث العلمي للأمة، بخلاف عصرنا الذي تيسرت فيه الطباعة وتعددت النسخ.
ميثاقُ الاستعارة: آدابٌ وضوابط
لكي تظلَّ إعارة الكتب في التراث الإسلامي وسيلةً للبناء لا للهدم، وجب على المستعير التحلي بآدابٍ نابعة من مروءة طالب العلم، ومنها:
- حفظُ الأمانة: برعاية الكتاب وصيانته من التلف أو التقييد عليه دون إذن صاحبه.
- سرعةُ الرد: فحبسُ الكتاب عن صاحبه نوعٌ من الغصب الخفي الذي يُوغر الصدور.
- الشكرُ والتقدير: فالاعتراف بفضل المُعير من شِيَمِ الكرام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يشكرُ اللهَ مَن لا يشكرُ الناسَ".
- عدمُ الإعارة للغير: فلا يجوز للمستعير أن يُعير ما استعاره إلا بإذنٍ صريح من المالك.
خاتمة:
إنَّ الكتابَ وعاءُ العلم، والعلمُ أمانةٌ في أعناقِ حامله وبَاذله. فلتكن إعارتنا للكتب جسراً لتمتين الروابط الإنسانية، ونوافذَ تطلُّ منها العقولُ على نور المعرفة، مع استحضار أنَّ خيرَ الناس مَن نفعَ الناس، وأنَّ صيانةَ الكتاب من صيانةِ العلمِ ذاته. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا علماً نافعاً، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.



اترك تعليقاً