ليلة الصواريخ: حين ينكسر صمت التهدئة
هل يمكن للغة المدافع أن تبني وطناً، أم أنها لا تتقن سوى هدم الصروح المتبقية من أمل؟ في لحظةٍ كان العالم يترقب فيها بصيص نورٍ ينهي مأساة اليمن، اختار الحوثيون العودة إلى لغة النار، حيث شنت الجماعة هجماتٍ مكثفة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، استهدفت معسكرات القوات الحكومية في محافظتي مأرب وحضرموت، بل وتجاوزت الحدود لتطال منطقة نجران في المملكة العربية السعودية. هذا التصعيد، الذي يعد الأبرز منذ سنوات، يأتي كعاصفةٍ مباغتة تعصف بسكون الهدنة الهش، وتضع جهود التهدئة على حافة الهاوية.
لغة الأرقام: فاتورة الدماء في مأرب وحضرموت
خلف الدخان الكثيف وأصوات الانفجارات، ثمة أرقامٌ قاسية تعكس حجم المأساة الإنسانية والعسكرية التي خلفها هذا الهجوم. لم تكن الصواريخ مجرد مقذوفات حديدية، بل كانت أدواتٍ حاصدة للأرواح، تركت وراءها حصيلةً ثقيلة من الضحايا:
- 58 قتيلاً: سقطوا في الهجمات التي استهدفت المعسكرات الحكومية، وفقاً لمصادر عسكرية ميدانية.
- 45 عسكرياً: سقطوا بين قتيل وجريح في ضربة واحدة استهدفت تجمعاً تدريبياً صباحياً في محافظة مأرب.
- عشرات الجرحى: تكتظ بهم المستشفيات، وسط توقعات بارتفاع عدد الوفيات نظراً لخطورة الإصابات الناجمة عن الشظايا الباليستية.
إن هذه الأرقام تمثل نزيفاً مستمراً في جسد المؤسسة العسكرية اليمنية، وتعكس إصراراً على تقويض أي محاولة لاستعادة الدولة لمؤسساتها السيادية.
نجران في قلب العاصفة: تصعيد يتجاوز الحدود
لم يقتصر المشهد الدامي على الداخل اليمني، بل امتدت يد التصعيد لتطال العمق السعودي. ففي ليلةٍ ليلاء، أعلن التحالف العسكري بقيادة السعودية عن إصابة 11 مدنياً في منطقة نجران الحدودية. وصف المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، هذا الفعل بالاعتداء الغاشم الذي يستهدف الأعيان المدنية.
هذا الهجوم على نجران يمثل المنعطف الأخطر منذ توقيع الهدنة؛ فهو ليس مجرد خرقٍ عسكري، بل هو رسالة سياسية مغمسة بالبارود، تشير إلى رغبة الحوثيين في توسيع رقعة الصراع وإعادة المنطقة إلى المربع الأول من المواجهة المباشرة.
روايات متباينة وموقف حكومي حازم
بينما يتباهى المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، باستهداف ما وصفها بـ "التحشيدات العسكرية المدعومة سعودياً"، تقف وزارة الدفاع اليمنية موقفاً مغايراً تماماً. فقد أكدت الحكومة أن هذه الاعتداءات لن تمر دون رد، متوعدةً بأن يكون الرد في "الزمان والمكان المناسبين".
ومن جانبه، يرى وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن الحوثيين يثبتون يوماً بعد يوم أنهم لا يجيدون سوى لغة القتل، وأن استهدافهم الممنهج للجيش هو محاولة يائسة لتقويض أركان الدولة اليمنية، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه هذا التعنت.
خاتمة: السلام بين مطرقة الواقع وسندان التصعيد
إن السلام في اليمن بناءٌ شامخ يحتاج إلى نوايا صادقة وأفعال تسبق الأقوال، لكن ما نراه اليوم من تصعيدٍ تقوده جماعة الحوثيين يضع هذا البناء في مهب الريح. إن الصواريخ التي تنطلق اليوم لا تصيب أهدافاً عسكرية فحسب، بل تصيب قلب كل يمني يحلم بالاستقرار. سيبقى السؤال معلقاً في أفق صنعاء ومأرب: هل ستغلب الحكمة اليمانية في نهاية المطاف، أم أن دخان الصواريخ سيظل يحجب شمس السلام إلى حين؟



اترك تعليقاً