غربة الروح والزمان: الاغتراب الحضاري وعوائق النهضة في وعي الأمة
إنَّ المتأمل في أحوال الأمة اليوم يلحظ غبشاً في الرؤية، وكبوةً في المسير، مردُّها إلى حالةٍ مستعصيةٍ من الوعي السلبي، تجعل الإنسان -فرداً كان أو مجموعاً- يعيش انفصالاً وجدانياً عن واقعه، وكراهيةً لمحيطه، فيفرُّ من هجير الحاضر إلى ظلال متخيلة، إما في ماضٍ سحيقٍ استُحضر بغير وعي، أو في فضاءٍ مكانيٍّ غريبٍ نبت في غير تربتنا. هذا هو الاغتراب الحضاري الذي بات يضرب أطنابه في عقل الأمة، مشكلاً عائقاً صلداً دون تحقيق النهضة المنشودة.
ماهية الاغتراب: من الفلسفة إلى واقع الأمة
لقد استعار الفكر الاجتماعي مصطلح «الاغتراب» من الأدبيات الماركسية، حيث صاغه ماركس في سياق أطروحاته الاشتراكية، ليتلقفه بعد ذلك علماء النفس والاجتماع، محوّلين إياه إلى أداةٍ لتفسير شتات النفس البشرية. وفي سياقنا الإسلامي، يمثل الاغتراب الزماني والمكاني حالةً من الاستلاب التي تفقد الإنسان قدرته على الفعل والتأثير.
تتجلى خطورة هذه الحالة في دفع قطاعات واسعة من أبناء الأمة نحو:
- فقدان القوة والمعنى: الشعور بالعجز أمام تيار الحضارة الجارف.
- العزلة والانسحاب: الانكفاء على الذات والهروب من المشاركة المجتمعية.
- غياب المعيارية: اضطراب الموازين التي يُحكم بها على الأشياء.
- نكران المجتمع: غياب القيم المشتركة التي تربط الفرد بمحيطه.
إن هذا الاضطراب يطال الركائز الوجودية للأمة، فيُحدث خللاً في تحديد المرجعية، وضعفاً في الانتماء، وعجزاً عن صياغة علاقة متوازنة مع الذات ومع الكيانات الحضارية الأخرى.
ثنائية التيه: بين تقديس الماضي وتقليد الغرب
إنَّ هذا الاغتراب هو الثمرة المرة لتجاهل سنن الله سبحانه وتعالى في الزمان والمكان، وعدم فقه التحولات التاريخية. لقد انقسمت الجهود الإصلاحية أمام هذا التحدي إلى فريقين كلاهما غريب عن واقعه:
- الأصاليون المنكفئون: طائفة عادت بأفكارها إلى الماضي، تتشبث به وتدافع عنه دون تمحيص أو نقد، فصار التاريخ عندها قيداً لا منطلقاً.
- الحداثيون المستلبون: فئة لاذت بمذاهب فكرية غربية نبتت في بيئات مغايرة، فحاولوا غرسها في تربتنا قسراً، مما أدى إلى فوضى فكرية واصطدامٍ حال دون النهوض.
إنَّ هذا لا يعني إنكار منجزات السلف، ولا الانغلاق عن تجارب الأمم، بل هو دعوة لـ «توطين الذات»؛ بحيث لا تنكر مرجعيتها الربانية، ولا تغفل عن سياقها الزماني. لقد استلهمت الشعوب الناهضة -كاليابان وماليزيا- تاريخها ليكون وقوداً للمستقبل، بينما بقينا نحن نراوح مكاننا، نجلد ذواتنا بعقدة النقص تجاه الغرب، أو نغرق في حروب التاريخ الميتة.
عبء التاريخ واغتراب المقلد
لقد أضحى التاريخ عند البعض عبئاً ثقيلاً، فاستوردوا منه أفكاراً «ميتة» -بتعبير الأستاذ مالك بن نبي- ونفخوا فيها من روح الصراع، فأورثتنا نزاعاتٍ ماضوية بدلاً من استشراف المستقبل. إننا نرى من يحاول استحضار «ثوب عمر المرقّع» كشكلٍ مادي، ويغفل عن استحضار قيم العدل والزهد التي مثّلها عمر رضي الله عنه.
وعلى الضفة الأخرى، نجد «الاغتراب في زمان الغير»، كما يصفه الدكتور طه عبد الرحمن؛ حيث يفكر المسلم بعقل الآخر، ويتبنى إشكالاته، وينتج داخل صندوقه الحضاري كمقلدٍ باهت، مكدساً منجزات الغرب وأفكاره التي ربما يكون الغرب نفسه قد تجاوزها ونقدها.
الوقوف في «المنطقة الحرام» من التاريخ
إن هذا التيه بين حلين أحلاهما مرّ، يضع الوعي المسلم في مأزقٍ حقيقي، وهو ما رصده المفكر مالك بن نبي رحمه الله منذ عقود، حيث قال:
«ويبدو أن رجال الإصلاح في كثير من المجالات يبحثون عن حل ثالث أكثر توافقًا مع فكرة الإسلام ومع ضرورات العصر، بيد أن هذا البحث في ذاته يطفح بألوان التردّد والمعاناة. ولا شكّ أنّ اضطراب أقطاب الفكر المسلمين يحدث وقفة في تطور الأفكار، إذ ليس في وسع المجتمع الإسلامي أن يعود إلى الوراء، وإلى مرحلة ما بعد الموحّدين، أو أن يطفر إلى الأمام طفرة عمياء في حركته (نحو الغرب). وهكذا تشعرنا حالة العالم الإسلامي بأنه يقف في منطقة (حرام) في التاريخ، ما بين فوضى ما بعد الموحدين والنظام الغربي».
الخاتمة: نحو شهود حضاري فاعل
إنَّ الخروج من تيه الاغتراب يقتضي تحرير الوعي المسلم من أسر المقولات الجاهزة، سواء كانت ماضوية جامدة أو غربية مستلبة. إنَّ قدرنا هو أن نمارس «الشهادة على الناس» كما أراد الله سبحانه وتعالى لنا، وهذا لا يكون إلا بامتلاك ناصية العصر مع الاعتزاز بالأصل.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وأخرج أمتنا من ظلمات التيه والاغتراب إلى أنوار الهدى والتمكين، إنك سميع مجيب.



اترك تعليقاً