فقه إحياء النفوس: أحكام التبرع بالدم في ميزان الشريعة الإسلامية
إنَّ بَذْلَ الدماءِ في سبيلِ استنقاذِ الأرواحِ مَكْرُمَةٌ جليلةٌ، تضربُ بجذورِها في أعماقِ القيمِ الإسلاميةِ التي تُعلي من شأنِ النفسِ البشريةِ. ويُعدُّ التبرع بالدم في الإسلام ممارسةً جوهريةً تمليها مقاصدُ الشريعةِ الغراءِ، ومن الضروريِّ لكلِّ مسلمٍ استبانةُ القواعدِ الفقهيةِ التي تنظمُ هذا العملَ الإنسانيَّ الجليلَ.
وفي هذا الصددِ، يفيضُ علينا الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة، أستاذ الفقه والأصول بجامعة القدس بفلسطين، ببيانٍ شافٍ حول هذه المسألةِ.
التبرع بالدم: واجبٌ كفائيٌّ لإحياءِ الأنفسِ
يرى الفقهاءُ أنَّ مدَّ يدِ العونِ للمرضى والمصابين عبرَ تقديمِ قطراتٍ من الدماءِ ليس مجردَ نافلةٍ، بل هو ضرورةٌ تقتضيها حياةُ البشرِ. ويقول الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة في هذا السياق:
"إنَّ التبرعَ بالدمِ ضرورةٌ للبشرِ، ولا أبالغُ إذا قلتُ إنَّ حكمَهُ الشرعيَّ قد يصلُ إلى فرضِ الكفايةِ؛ أيْ إذا قامَ بهِ البعضُ سقطَ عنِ الباقينَ."
ويعودُ هذا التأصيلُ إلى حاجةِ المجتمعِ الماسةِ لإنقاذِ المرضى والجرحى الذين تتقاذفُهم حوادثُ الدهرِ. لذا، يُندبُ للمرءِ أن يجودَ بدمهِ احتساباً لوجهِ اللهِ (عز وجل)، دونَ تطلعٍ لعوضٍ ماديٍّ، مساهمةً منه في إحياءِ نفسٍ كادَ يطويها الردى.
صونُ الكرامةِ الآدميةِ وحرمةُ الاعتياضِ عنِ الجسدِ
لقد أرسى الإسلامُ قاعدةً ذهبيةً في احترامِ الكيانِ البشريِّ، فجعلَهُ مكرماً منزهاً عن التبذلِ في أسواقِ المقايضةِ. ومن هنا، لا يجوزُ شرعاً تلقي أجرٍ ماديٍّ مقابلَ الدمِ المتبرعِ بهِ؛ لأنَّ الإنسانَ قد كرمَهُ اللهُ (سبحانه وتعالى)، ولا يحلُّ تحويلُ أجزاءِ جسدِهِ إلى بضائعَ تُباعُ وتُشترى.
وكما لا يحلُّ للمرءِ بيعُ شعرهِ كما يُباعُ صوفُ الأنعامِ، فإنَّ بيعَ الدمِ أشدُّ حرمةً وأبعدُ عن الجوازِ. ويستندُ هذا المنعُ إلى قولهِ تعالى في محكمِ التنزيلِ:
"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ…" (الإسراء: 70)
فمقتضى هذا التكريمِ الإلهيِّ أن يترفعَ الإنسانُ عن جعلِ أعضائهِ مادةً للمساومةِ التجاريةِ كبقيةِ السلعِ الماديةِ.
أحكامٌ استثنائيةٌ ودروسٌ مستفادةٌ
رغمَ الحرمةِ القاطعةِ لبيعِ الدمِ، إلا أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ تتسمُ بالمرونةِ عندَ تضيقِ السبلِ، ويمكنُ تلخيصُ الضوابطِ المتعلقةِ بهذا الجانبِ فيما يلي:
- فقه الضرورة: إذا تعذرَ على المريضِ الحصولُ على الدمِ عبرَ التبرعِ أو الهبةِ، ولم يجدْ سبيلاً لإنقاذِ حياتهِ إلا بدفعِ المالِ، جازَ له شراؤُه اضطراراً.
- تبعةُ الإثم: في حالةِ الشراءِ للضرورةِ، يقعُ وزرُ المالِ المقبوضِ على الآخذِ (البائعِ) الذي استغلَّ حاجةَ الناسِ، ولا إثمَ على المشتري الذي دفعَ المالَ حفظاً لنفسهِ.
- انتفاءُ المحرمية: من الأهميةِ بمكانٍ توضيحُ أنَّ عمليةَ نقلِ الدمِ لا يترتبُ عليها أيُّ تحريمٍ في النكاحِ بين المتبرعِ والمتلقي، فهي لا تأخذُ حكمَ الرضاعِ الذي يثبتُ به النسبُ والمحرميةُ.
خاتمةٌ
إنَّ التبرعَ بالدمِ هو تجسيدٌ حيٌّ لروحِ التكافلِ التي دعا إليها نبيُّنا محمدٌ (صلى الله عليه وسلم)، وهو بابٌ من أبوابِ الصدقةِ الجاريةِ التي يمتدُّ أثرُها بإذنِ اللهِ. فاجعلْ من دمِكَ شريانَ حياةٍ لغيركَ، مخلصاً النيةَ للهِ (عز وجل)، ومستشعراً عظمةَ الأمانةِ التي استودعَكَ إياها الخالقُ في جسدِكَ. نسألُ اللهَ أن يبارك في الأبدانِ، وأن يجعلَ أعمالنا خالصةً لوجهه الكريمِ.



اترك تعليقاً