الاستهلال: في مِحراِب العلم وبناء الإنسان
تتنزّل المعرفة في وجدان الأمم منزلة الروح من الجسد، وفي كنف معرض الدوحة الدولي للكتاب، حيث تزدان الرفوف بنفائس الفكر، احتضن المسرح الرئيسي ندوةً فكريةً سامقة بعنوان "منصة قطر تتحدث". لم تكن هذه الندوة مجرد استعراضٍ عابر، بل كانت وقفة تأملية عميقة في قضية التطوير المهني والارتقاء المعرفي، في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج التقنية، وبات لزاماً على المرء أن يستزيد من المهارة كما يستزيد من العلم، استجابةً لأمر الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.
حتمية التطوير وفقه الإتقان
بصيرةٌ نيرة تلك التي طرحها الدكتور خليفة الصلاحي اليافعي، الرئيس التنفيذي لأكاديمية قطر للمال والأعمال، حين قرر أن التطوير المهني المستمر قد غدا ضرورةً وجودية لا ترفاً تكميلياً. إن سوق العمل المعاصر لم يعد يكتفي بتلك الشهادات الجامعية التي تُعلق على الجدران، بل بات يطلب "الإتقان" الذي هو جوهر التكليف الشرعي؛ ففي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه".
وقد تجلت في أطروحات الندوة ملامح الجيل الجديد من الكفاءات، والتي ترتكز على:
- الريادة والقيادة: القدرة على توجيه النفس والآخرين نحو الغايات السامية.
- الكفاءة الرقمية: فقه التعامل مع أدوات العصر برؤية واعية.
- التعلم الذاتي: استمرارية طلب العلم من المهد إلى اللحد.
ردم الفجوة بين النظرية والتطبيق
إن العلم الذي لا يتبعه عمل يبقى حبيس الأوراق، وقد لفت الدكتور اليافعي الانتباه إلى تلك الهوة بين المناهج الأكاديمية التقليدية وبين متطلبات الواقع المتسارع. إن أرباب العمل في هذا العصر يبحثون عن تلك الشخصية التي تجمع بين فقه النظرية وحذق الممارسة، وهو ما يعيدنا إلى أهمية التدريب الميداني والعمل التطوعي كأدوات لصقل الذات.
إن مهارة "التكيف" التي تم التأكيد عليها في الندوة، هي في جوهرها مرونة المؤمن الذي يواكب المتغيرات دون أن يفرط في الثوابت، مستعيناً بالذكاء الاصطناعي كأداةٍ مسخرة لخدمة الإنسان، لا كبديلٍ عن عقله الذي كرمه الله به.
الذكاء الاصطناعي: أداةٌ لا غاية
وفي معرض الإجابة عن التوجسات من هيمنة الآلة، جاء التأكيد رصيناً بأن التقنيات الحديثة، على عظم شأنها، تظل أدواتٍ داعمة توفر الوقت وتعزز الكفاءة، لكنها تفتقر إلى نور البصيرة الإنسانية والتفكير النقدي. إن الاعتماد الكلي على الآلة يورث خمولاً في الفكر، والمطلوب هو التوازن؛ فالحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها، ويوظفها بوعيٍ يخدم عمارة الأرض.
مآلات المشهد الثقافي في دوحة الخير
لم يكن الحراك المهني بمعزل عن التدفق الجماهيري المهيب الذي شهده المعرض في أيامه الأولى. فقد تحولت أروقة المعرض إلى واحةٍ غناء، أمّها الزوار من كل حدب وصوب، ينهلون من حياض المعرفة. ولم يقتصر الأمر على اقتناء الكتب، بل تجاوزه إلى حضورٍ كثيف في الندوات الفكرية والأمسيات الأدبية، في مشهدٍ يثلج الصدور ويعيد للأمة أملها في القراءة.
وكان لافتاً ذلك الاهتمام بجناح الطفل والناشئة، حيث تسعى العائلات لغرس حب القراءة في نفوس الأجيال، إيماناً بأن القراءة هي المفتاح الأول للحضارة، وأول نداء سماوي للأمة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}.
الخاتمة: دعاء وعزيمة
إن التحدي الذي يواجهنا اليوم ليس في نيل الوظائف فحسب، بل في الاستمرار على جادة التطور والحفاظ على القيمة المهنية في سوقٍ لا يعرف السكون. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً متقبلاً، وأن يجعل سعينا في طلب المهارة سبيلاً لرفعة الأمة وعزتها. اللهم سدد الخطى، وبارك في الجهود، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.



اترك تعليقاً