مقدمة: في رحاب التشريع الرباني وحفظ الأنساب
إن من محاسن الشريعة الإسلامية الغراء، وعظمة تشريعاتها الربانية، أنها أحاطت كيان الأسرة بسياج من الأحكام المتقنة التي تحفظ الأنساب وتصون الروابط الاجتماعية. ومن هذه الأحكام الجليلة قضية الرضاع المحرم؛ حيث جعل الشارع الحكيم من اللبن الذي ينبت اللحم وينشز العظم سبباً لثبوت المحرمية، فيصير الرضيع به ابناً للمرضعة وأخاً لأولادها. بيد أن هذا الحكم ليس مطلقاً على عواهنه، بل هو منوط بضوابط شرعية دقيقة وشروط محكمة استنبطها الفقهاء من مشكاة الوحي.
ضوابط ثبوت المحرمية بالرضاع
لقد أجمع الفقهاء على أن الرضاع يثبت به من التحريم ما يثبت بالنساب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ». ولكن لكي تترتب هذه الآثار الشرعية وتصبح المرضعة أماً في الرضاع، لا بد من تحقق شروط جوهرية، نبينها فيما يلي:
أولاً: شرط الزمان (الرضاع في الحولين)
يعتبر السن الذي يقع فيه الرضاع هو الركن الركين في ثبوت الحرمة. فلكي يصبح الأطفال الذين رضعوا من امرأة واحدة إخوة في الدين، ويحرم التزاوج بينهم، يجب أن يكون الرضاع قد تم في مرحلة الطفولة المبكرة، وتحديداً قبل بلوغ الطفل سن العامين.
وفي هذا السياق، يقرر الدكتور محمد السيد الدسوقي، أستاذ الفقه بجامعة قطر، قائلاً: «لكي يصبح الأطفال الذين رضعوا محارم، بحيث يحرم الزواج بين البنين والبنات المعنيين، يجب أن يتم الرضاع قبل سن السنتين».
ثانياً: عدم ثبوت الحرمة بعد سن الفطام
بناءً على ما تقدم، فإن إرضاع الطفل الذي تجاوز سن العامين لا يترتب عليه أي أثر شرعي من حيث المحرمية، سواء التقم الطفل الثدي مباشرة أو سُقي اللبن في إناء. ومن القواعد المستقرة في هذا الباب:
- تجاوز السن المحدد: إذا أرضعت امرأة صبياً في الثالثة أو الرابعة من عمره، فإن هذا الرضاع لا يحرم نكاحه من ابنتها مستقبلاً؛ لأن الرضاع المعتبر شرعاً هو ما كان في زمن الحاجة إلى الغذاء باللبن، وهو الحولان.
- رضاع الأقارب الكبار: إن قيام المرأة بإرضاع أبناء إخوتها أو أخواتها وهم في سن الثامنة -مثلاً- لا يجعل منهم أبناءً لها في الرضاع، ولا يجعلهم إخوة لأبنائها، لانتفاء شرط السن.
الحكمة التشريعية من تحديد الأمد
لقد حدد القرآن الكريم أمد الرضاع الكامل في قوله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]. فالحكمة من قصر التحريم على الرضاع في الحولين هي أن اللبن في هذه الفترة هو الذي يبني جسد الطفل ويؤثر في تكوينه العضوي والبيولوجي، مما يجعل هناك قرابة حقيقية في النسيج الجسدي بين الرضيع والمرضعة.
خاتمة: دعاء واستبصار
ختاماً، فإن فقه الرضاع المحرم يعكس دقة التشريع الإسلامي في ضبط العلاقات الإنسانية، وحرصه على جلالة عقد النكاح بأن لا يقوم إلا على طهر ويقين. فاللهم فقهنا في ديننا، وبصرنا بحدود ما أنزلت على رسولك صلى الله عليه وسلم، واجعل بيوت المسلمين عامرة بالتقوى، محفوفة بضوابط شرعك الحنيف، إنك سميع مجيب الدعاء.



اترك تعليقاً