فقه الغيبة والهجر: متى يثبت حق الزوجة في طلب الطلاق شرعاً؟
إنَّ ميثاق الزوجية في شريعة الإسلام ليس مجرد عقدٍ مدني عابر، بل هو "ميثاق غليظ" كما وصفه الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله، قامت أركانه على السكن والمودة والرحمة. بيد أنَّ صروف الحياة وتقلبات الأحوال قد تعصف بهذا الاستقرار، فيغيب الزوج عن أهله غيبةً تنقطع بها أسباب الوصال ويحلُّ محلها الاستيحاش، مما يطرح تساؤلاً فقهياً جوهرياً حول حق الزوجة في طلب الطلاق جراء هذا الهجر أو الغياب الطويل الذي يلحق بها الضرر.
المقصد الشرعي من دوام العشرة والاستقرار
لقد أوجب الله عز وجل على الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، ومن مقتضيات هذا المعروف الإقامة معها ورعاية شؤونها وإعفافها. فإذا ما انتفى هذا الركن بترك المنزل لمددٍ تطول دون مبرر، وقع الضرر الذي نهت عنه الشريعة الغراء؛ استناداً لقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار". فالغاية من الزواج هي التحصين وبناء الأسرة، وهو ما لا يتحقق مع الهجر المديد.
موقف الفقهاء من أمد الغيبة المبيحة للتفريق
تعددت اجتهادات أئمة الفقه في تقدير المدة التي يُسمح للزوجة بعدها برفع أمرها للقضاء لطلب الفسخ أو الطلاق، وذلك صيانةً لنفسها من الفتنة والضياع، وتحقيقاً للعدالة التي هي جوهر التشريع الإسلامي.
وفي هذا السياق، يبرز رأي الشيخ محمد المختار الشنقيطي، مدير المركز الإسلامي في ساوث بلينز بلوبوك، تكساس، حيث قرر ما يلي:
"في الإسلام، يجوز للمرأة طلب الطلاق في حالة الهجر الزوجي. ومع ذلك، يختلف العلماء حول مدة الهجر التي يحق للزوجة بعدها ممارسة هذا الحق. ويرى كثير من العلماء أن هذه الفترة يجب أن تقتصر على ستة أشهر، ما لم يكن هناك سبب وجيه يبرر تمديدها. ووفقاً للتشريع الأمريكي، يحق للزوجة طلب الطلاق بعد ستة أشهر من هجر زوجها لها."
ضوابط وأحكام هجر الزوج لزوجته
يمكن تلخيص القواعد الحاكمة لهذه المسألة الحساسة في النقاط التالية، والتي تجمع بين مقاصد الشرع وحفظ الحقوق:
- ثبوت الضرر الواقع: إنَّ الأصل في طلب التفريق هو وقوع ضرر حقيقي ومعنوي على الزوجة جراء غياب زوجها وانقطاع خبره أو هجره لفراش الزوجية.
- المدة المعتبرة للغيبة: ذهب جمهور من أهل العلم، استئناساً بما أُثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلى أنَّ ستة أشهر هي الحد الأقصى الذي تُطالب فيه المرأة بالصبر على غياب زوجها.
- مراعاة الأعذار القهرية: إذا كان الغياب لضرورة ملحة أو عذر شرعي مقبول (كطلب العلم النافع أو العمل الاضطراري لطلب الرزق) مع استمرار النفقة والتواصل، فإنَّ الحكم قد يختلف باختلاف الحال وتقدير القاضي.
خاتمة وتوجيه
إنَّ الأسرة في ظلال الإسلام هي حصن الفضيلة ومنبع السكينة، وإنَّ غياب رب الأسرة دون مبررٍ قاهر يُعدُّ خدشاً في جدار هذا الحصن المتين. فليتقِ اللهَ كلُّ زوجٍ في أهله، وليعلم أنَّ المسؤولية أمانة سيُسأل عنها بين يدي الله سبحانه وتعالى، وأنَّ الوفاء بالحقوق سبيلٌ لمرضاة المولى عز وجل. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤلف بين القلوب، ويصلح ذات البين، ويحفظ بيوت المسلمين عامرةً بذكره وطاعته، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.



اترك تعليقاً