فقه المبادرة وسنن التغيير: نقض ثقافة الانتظار في الوعي الإسلامي المعاصر

فقه المبادرة وسنن التغيير: نقض ثقافة الانتظار في الوعي الإسلامي المعاصر

فقه المبادرة وسنن التغيير: نقض ثقافة الانتظار في الوعي الإسلامي المعاصر

إن المتأمل في جوهر الرسالة الإسلامية يدرك يقيناً أن الإسلام لم يأتِ ليكون طقوساً مجردة أو أمانيَّ معلقة في فضاء الغيب، بل جاء ليرسخ حقيقة كبرى؛ مفادها أن صناعة التاريخ، وتحقيق الخير، ومواجهة الشر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. واجب إنساني، وأن حركة التاريخ تقوم على سنن إلهية مطردة، من بينها "سنة التدافع". إن تحقيق النصر والتمكين لا يرتهن لصدفٍ عابرة، بل يقوم على سنن واضحة بثها الله سبحانه وتعالى في الاجتماع والتاريخ والآفاق والأنفس، كما بثها في كتابه العزيز، ولا يتم الأمر بطرق سحرية أو خرافية، بل عبر إدراك فقه المبادرة والعمل بمقتضاه.

السنن الإلهية ونقض أوهام الخلاص السلبي

لقد جاء الإسلام لينسف فكرة "المخلص" التي تقوم عليها بعض المعتقدات بطريقة غرائبية، حيث يُنتظر الخلاص من خارج حركة الإنسان وسعيه. فليس في الإسلام مخلصٌ يعفي الأمة من مسؤوليتها، وإنما هناك سعي وفلاح، أو تسويف وبطالة وخسران. إن القران الكريم يقرر أن الجزاء معلق بالعمل، وأن التغيير يبدأ من كوامن النفوس قبل ظواهر الآفاق.

ولهذا، حين نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يركن إلى الانتظار، بل بادر إلى الدعوة والتربية، وتحمل أعباء بناء الأمة والمجتمع والدولة، وعلّم أصحابه المسارعة إلى إعلاء كلمة الله، ونصرة الإسلام، وخدمة المسلمين، وتغيير واقعهم، وبناء النموذج الذي يحقق الخير للإنسانية، كما يسلك بها طريق الحياة الطيبة.

عوائق النهضة وداء الاستكانة

بيد أن واقع أمتنا منذ أمدٍ ليس بالقريب، يكشف عن تسلل ثقافة الانتظار إلى مفاصل وعيها، حيث تعطلت روح المبادرة، واستكانت النفوس إلى فكرة "المنقذ الملهم" الذي سيأتي ليجتث التخلف بضربة واحدة، دون أن تقوم الأمة بواجبها كبقية الأمم في إحياء مواتها، وإيقاظ نوامها، وتحريك طاقاتها المعطلة.

ولعل هذا هو العائق الأكبر أمام النهضة؛ فالمجتمعات تريد الخروج من أزماتها لكنها لا تبادر إلى ذلك أفراداً ومجموعات. لقد طغى على ثقافتنا المعاصرة:

  • الخوف من المبادرة والحذر المفرط من روح المغامرة.
  • فقدان الشجاعة في تجريب الحلول والبحث عن مخارج غير مألوفة.
  • الاستكانة إلى الرتابة والمشاريع النمطية وطرائق التعليم والإنتاج التقليدية.
  • خبوُّ شعلة الاجتهاد وترسخ "دروشة" غريبة عن روح القرآن ومنطق التربية النبوية القائم على الإيجابية والمسارعة إلى الخيرات.

نموذج المبادرة الفردية: نعيم بن مسعود رضي الله عنه

إن تاريخنا المجيد لم يُكتب بمداد الانتظار، بل بعرق المبادرة. فانظر مثلاً إلى نموذج نعيم بن مسعود رضي الله عنه، الذي أسلم قبيل غزوة الخندق؛ كيف كان مبادراً ولم يقل إنه مسلم جديد، أو أنا فرد واحد ماذا أفعل؟ بل ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في المبادرة، فكانت حركته سبباً في نصرة المسلمين وتخذيل الأحزاب.

أتى نعيم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقال: إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: "إنما أنت فينا رجل واحد فخذِّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة".

لقد تحرك نعيم رضي الله عنه بذكاء ومبادرة، فأتى بني قريظة وأوغر صدورهم تجاه قريش، ثم أتى قريشاً وغطفان وحذرهم من غدر بني قريظة، حتى تشتتت شمل الأحزاب ووقع الخذلان في صفوفهم.

لقد استثمر نعيم رضي الله عنه ثقة الأطراف فيه ليحقق نصراً استراتيجياً، فلما أرسل أبو سفيان إلى بني قريظة يدعوهم للقتال، اشترطوا رهائن من أشراف قريش كما اقترح نعيم، فظنت قريش صدق ما قاله نعيم، فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم.

دروس من وحي المبادرة

إن الشاهد من قصة سيدنا نعيم رضي الله عنه يخلص بنا إلى حقائق جوهرية:

  1. المبادرة ضرورة وجودية: المبادرة الفردية والجماعية هي المحرك الحقيقي للتاريخ، والانتظار هو المقبرة التي تُدفن فيها طاقات الأمم.
  2. فاعلية النخبة: الأمم تنهض بوجود "النفر" الذين يبادرون لفتح ورشات صناعة التاريخ، ويشكلون نواة جذب للأنفس المتطلعة للإنجاز.
  3. الواقع هو المحك: الفكرة التي تمتلك "كثافة الواقع" ستجد حتماً من يحملها ويناصرها، فلا تنتظر إجماع الناس لتبدأ.
  4. تجاوز الدونية: الخروج من "الغثائية" والهامشية يتطلب إيماناً بأن الفرد الواحد، متى ما تسلح بالمبادرة والحكمة، قادر على تغيير مجرى الأحداث.

الخاتمة:
يا أبناء الأمة، إن ثقافة الانتظار هي ثقافة قاتلة للأمل والعمل، وإن فقه المبادرة هو السبيل الوحيد لاستعادة الخيرية التي وصفنا الله بها في قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. فمن كانت له فكرة أو مشروع لخدمة دينه ووطنه، فليبادر ولا ينتظر، وليكن على يقين أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. اللهم اجعلنا من المسارعين في الخيرات، والمبادرين لنصرة الحق، والمتمسكين بسننك في بناء الحضارة والتمكين.

بادروا ولا تنتظروا، فالتاريخ لا يحابي القاعدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *