مقدمة: فتنة المال ومنهج الاستخلاف
تظل قصة قارون في القرآن الكريم نبراساً جلياً يكشف عن طرائق النفس البشرية في التعامل مع زينة الحياة الدنيا، وهي في جوهرها ليست مجرد سرد لتاريخ غابر، بل هي تبيان للمنهج الإلهي القويم الذي يضبط حركة الإنسان بين المادة والروح. لقد واجه قوم قارون طغيانه بالحق، مرشدين إياه إلى ميزان الاعتدال الذي يعلق القلب بالآخرة دون أن يبتئس في الدنيا، محققين بذلك مفهوم الخلافة الراشدة التي تعمر الأرض بمرضاة الله سبحانه وتعالى.
المنهج الرباني: توازن لا رهبانية فيه
لقد رسم المؤمنون من قوم قارون معالم الطريق لمن آتاه الله سبحانه وتعالى بسطة في المال، فدعوه إلى استثمار هذه النعمة فيما يبقى، مع الحفاظ على حق النفس في الطيبات. يقول الله عز وجل: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧].
وفي هذا السياق، يوضح المفكر سيد قطب هذا التوازن بقوله: "لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس، وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها، فتنمو الحياة وتتجدد وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض، وذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة فلا ينحرفون عن طريقها، ولا ينشغلون بالمتاع عن تكاليفها، والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمُنعم وتقبلٍ لعطاياه، وانتفاع بها، فهو طاعة من الطاعات يُجزى عليها بالحسنى" (سيد قطب، 5/2711).
شمولية العطاء وابتغاء وجه الله
إن فقه التعامل مع المال يبدأ من الاعتراف بمصدره، فكل ما في يد الإنسان هو محض فضل من الخالق سبحانه وتعالى. ويشير الخالدي إلى دلالة اللفظ القرآني بقوله: "أيّ: اطلب فيما أعطاك الله الفوز في الدار الآخرة وأن يعترف بأن ما معه إنما هو فضل وعطاء ومنحة من الله؛ حيث أرشدوه إلى أن يوجه كل ما آتاه الله إلى الآخرة. و”ما” في قوله: ﴿فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾: اسم موصول، وهو يدل على العموم والشمول" (الخالدي، 3/49).
نصيب الدنيا ومزرعة الآخرة
الإسلام دين الفطرة، لا يحرم حلالاً ولا يضيق واسعاً، بل يوجه المسلم ليعطي كل ذي حق حقه. وفي ذلك يقول المغراوي: "دعوة إلى ألا ينسى نصيبه من الدنيا ما أباح الله فيها من المآكل والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً ولزوجك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه" (المغراوي، 25/409).
إن الدنيا في المنظور الإسلامي هي المعبر والميدان، وليست المستقر والغاية، كما جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «كن في الدنيا غريب أو عابر سبيل» (رواه مسلم، 6/347). وكان عبد الله ابن عمر يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» (رواه البخاري، رقم: 6416).
مقام الإحسان في تدبير النعم
الإحسان هو ذروة سنام التدين، وهو مأمور به في كل شأن، خاصة في شأن المال الذي هو عصب الحياة.
- الإحسان مع الله: شكر النعمة واستخدامها في طاعته.
- الإحسان مع الخلق: نفع الناس وتفريج كرباتهم.
- الإحسان في التصرف: التوسط بين الإسراف والتقتير.
يقول سيد قطب: "طلبوا منه مقابلة الإحسان بالإحسان، فهذا المال هبة من الله وإحسان، فليقابل بالإحسان فيه إحسان التقبل وإحسان التصرف، والإحسان به إلى الخلق، وإحسان الشعور بالنعمة، وإحسان الشكران" (سيد قطب، 5/2711). ويضيف الخالدي: "﴿وَأَحْسِنْ﴾ في عبادة ربك وطاعته في كل أنواع العبادات والطاعات المتعلقة بالأموال وغيرها ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، ولقد طالب المؤمنون من قوم قارون أن يقابل إحسان الله إليه بإحسان وذلك باستخدام تلك الكنوز في نفع الآخرين" (الخالدي، 3/51).
ويؤكد الدكتور نوفل على شمولية هذا المفهوم: "ومن الإحسان أن تُحسن الفهم لكتاب الله وأحكام دينك، ومن الإحسان أن تحسن علاقتك بالمجتمع ورحمك وذويك والناس، بل والكون بكل ما فيه، ومن الإحسان أن تؤدي الحقوق التي في مالك، والإحسان مفتوح على صور لا عدّ لها ولا حصر وقرنوا دعوتهم له إلى الإحسان بإحسان سبق من الله إليه" (نوفل، ص 387).
التحذير من مغبة الفساد في الأرض
ختمت الوصايا بالنهي عن الفساد، وهو النقيض المذموم للإصلاح. فالمال حين يخرج عن وظيفته التنموية والعبادية يتحول إلى أداة للهدم والظلم. ويوضح نوفل ذلك بقوله: "فالفساد نقيض الإصلاح، والإصلاح هو أيضاً صوره لا تنتهي، فكل إخلال بقانون الله في المجتمع أو في الكون أو في النفس هو إفساد، ولك أن تتصور كم من الصور يدخل تحت هذا المفهوم المطلق" (نوفل، ص 378).
كما فصل سيد قطب صور هذا الإفساد: "فالفساد بالبغي والظلم، والفساد بالمتاع المطلق بعيداً عن مراقبة الله ومراعاة الآخرة، والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء والفساد بإنفاق المال في غير وجهه أو إمساكه عن وجهه على كل حال" (سيد قطب، 5/2711).
خاتمة: عاقبة الاستكبار ومحبة الله
إن قصة قارون تضعنا أمام طريقين لا ثالث لهما: طريق محبة الله سبحانه وتعالى بالاتصاف بصفات الإحسان والإصلاح، وطريق سخطه بالوقوع في الفساد والاستعلاء. لقد أعمى بريق الذهب بصيرة قارون، فظن أن علمه وقوته هما مصدر رزقه، فأغلق قلبه أمام الموعظة الحسنة، ورد بتكبر واستعلاء، فكانت عاقبته عبرة للمعتبرين.
اللهم اجعل أموالنا في أيدينا لا في قلوبنا، ووفقنا لابتغاء الدار الآخرة بكل ما آتيتنا من فضل، واجعلنا من المحسنين الذين تحبهم ويحبونك، والحمد لله رب العالمين.



اترك تعليقاً