قل نزله روح القدس: الحكمة الإلهية في تبديل الآيات ودحض أباطيل المفترين
تتجلى عظمة الربوبية في إحكام التدبير، وتتبدى رحمة الخالق سبحانه وتعالى في تدرج التشريع ومراعاة مصالح العباد؛ تلك الحكمة البالغة التي تجسدت في قضية تبديل الآيات في القرآن الكريم ونسخ الأحكام. إنها السياسة الإلهية التي تخرج العباد من ضيق عاداتهم إلى سعة طاعة ربهم، غير أن هذه الحكمة قد استعصت على أفهام أهل الجاهلية، فرموا النبوة بظنونهم الآثمة، واتهموا المصطفى صلى الله عليه وسلم بالافتراء والتبديل وفق الهوى، فجاء الوحي القاطع ليذب عن ساحة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويبين الحق المستبين.
تخرصات الجاهلية ورمي النبوة بالافتراء
لقد وقف المشركون أمام ظاهرة النسخ والتبديل موقف الجاهل بحقيقة الوحي، فظنوا أن تبدل الحكم إنما هو اضطراب في القول، وحاشا لله أن يكون في كتابه اختلاف. وفي هذا السياق، ذكر أئمة التفسير ما يوضح لجاجة هؤلاء القوم؛ حيث قال المفسرون: إن المشركين قالوا: إن محمدًا ﷺ يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدًا، ما هذا إلا مفترًى يتقوَّله من تلقاء نفسه.
إن هذا الزعم لم يكن إلا نوعاً من أنواع السخرية والمكابرة التي كان يمارسها المشركون تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث ادَّعوا أنه صلى الله عليه وسلم يغيِّر الأحكام وَفق هواه، وكأنهم في قرارة أنفسهم يدركون أن هذا النظم لا يصدر إلا عن خالق عليم، لكن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً.
البيان الإلهي والرد الحاسم
حين تعالت أصوات الباطل، نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين ليضع الأمور في نصابها، ويقطع دابر المتخرصين، مبيناً أن الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في خلقه، الأعلم بما يصلح شأنهم في كل حين. قال الله عز وجل في سورة النحل:
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 101، 102].
نزلت هذه الآيات دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، مبرئة لساحته الشريفة من أن يغيِّر في دين الله تعالى، أو أن يكون متبعاً لهواه، أو أن يسخر بأصحابه؛ بل هو وحي يوحى، ينزله جبريل عليه السلام (روح القدس) بأمر رب العالمين.
مقاصد تبديل الآيات وثمرات التنزيل
إن المتأمل في هذه الآيات الكريمة يدرك أن تبديل الآيات في القرآن الكريم لم يكن يوماً عبثاً، بل هو لحكم جليلة يمكن إجمالها في النقاط التالية:
- تثبيت قلوب المؤمنين: فالنسخ يأتي ليربي النفوس على التسليم المطلق لله عز وجل، فالمؤمن يتبع الأمر لأنه من عند الله، سواء وافق ما اعتاده أو خالفه.
- الهداية والرحمة: إن التدرج في التشريع من شأنه أن يهدي الناس إلى الحق برفق، مراعياً قدراتهم البشرية وتطور مجتمعاتهم الإيمانية.
- البشرى للمسلمين: في كل تبديل للآيات بشارة بتيسير أو اختبار يرفع الدرجات، وهو دليل على رعاية الله المباشرة لهذه الأمة.
- دحض حجة الجاهلية: بتأكيد أن المصدر هو الله سبحانه وتعالى (والله أعلم بما ينزل)، وليس اجتهاداً بشرياً من النبي صلى الله عليه وسلم.
الخاتمة
إن قضية النسخ والتبديل في الوحي هي تجلٍ من تجليات العلم الإلهي المحيط بكل شيء، ورحمة سابغة تكتنف الأمة في مسيرتها نحو الاستقامة. فما كان النبي صلى الله عليه وسلم إلا مبلغاً أميناً، وما كان القرآن إلا حبل الله المتين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فاللهم ثبت قلوبنا على دينك، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنزلتها علينا هدى وبشرى.



اترك تعليقاً