لغة الضوء التي لا تُقرأ إلا بالعين
هل تساءلت يوماً عن السر الذي يجعل الأبصار تشرئب نحو السماء في ليالٍ بعينها؟ إنها لغة النور التي يتقنها الكون حين يقرر أن يبهرنا بجمالٍ يتجاوز حدود الأضواء الاصطناعية. في مساء الثلاثاء، التاسع عشر من مايو لعام 2026، تستعد القبة السماوية لاستضافة "مأدبة ضوئية" فاخرة، حيث يجتمع الكوكبان الألمعان المشتري والزهرة في حضرة هلال شهر ذي الحجة، في مشهدٍ يحبس الأنفاس وكأن السماء تودع نجوم الشتاء بكرنفال من البهاء قبل مغيبها خلف الأفق الغربي.
الزهرة.. لؤلؤة السماء في طور الأحدب
تتصدر المشهد كوكب الزهرة، تلك اللؤلؤة التي تفتن الناظرين، وهي تمر حالياً في "طور الأحدب" (Gibbous Phase). والزهرة، شأنها شأن القمر، تمر بأطوار ومراحل ضوئية تعكس دقة الهندسة الكونية:
- المسار الضوئي: الزهرة في طريقها الآن لتصبح أكثر بريقاً لتبلغ ذروة استطالتها الشرقية بزاوية 46 درجة فوق الشمس خلال ثلاثة أشهر.
- التحول المرتقب: ستصل قريباً إلى طور "التربيع"، حيث يزداد حجمها الظاهري ولمعانها، لتنصب نفسها ملكةً متوجة على عرش المساء.
المشتري.. سيد الحسن في برج التوأمين
أما كوكب المشتري، الذي وصفته العرب قديماً بأنه "اشترى الحسن والجمال لنفسه"، فيستقر بمهابة بين نجوم برج التوأمين. ويمكن لمقتني التلسكوبات البسيطة أن يغوصوا في تفاصيل هذا العملاق الغازي:
- تضاريس الغلاف الجوي: رؤية أحزمة الغيوم المتمايزة وبقعته الحمراء العظيمة.
- الرقص الكوني: مشاهدة الأقمار الغاليلية الأربعة وهي تدور في تناغم حوله.
- الموقع: يربض المشتري قريباً من "ذراع الأسد المبسوطة"، صامداً في سمائنا قبل أن يلحق بركب الأجرام الغاربة.
هلال ذي الحجة.. مسك ختام السنة الهجرية
يتوسط هذا القران الكوني هلال شهر ذي الحجة لعام 1447هـ، وهو آخر أهلة العام، ممهداً الطريق لاستقبال غرة المحرم لعام 1448هـ في السادس عشر من يونيو 2026.
يحل القمر في ليلة الرصد في منزلة "الهنعة"، وهي المنزلة التي تسبق "الذراع" حيث يربض المشتري. وتذكرنا هذه الحركة بدورة القمر الرتيبة التي تستغرق 29.5 يوماً، ينتقل خلالها بين 28 منزلة بدقة متناهية تحاكي خرائط الفلكيين الأوائل.
نجومٌ تضيء ذاكرة العرب
لا يكتمل جمال اللوحة دون "الشعرى اليمانية"، ألمع نجوم السماء التي تتلألأ ببريق ماسي يميزها عن الكواكب ذات الضوء الثابت. وفي الشمال، تبرز مجموعة "بنات نعش الكبرى" (الدب الأكبر) التي تسميها الثقافة السودانية بـ "العنقريب".
وفي ثنايا هذه المجموعة، يختبئ نجم "السهى" الخفي، الذي كان العرب يمتحنون به قوة إبصارهم. ومن هناك نهتدي إلى النجم القطبي، "قطب الرحى" الذي تدور حوله القبة، مستذكرين قول الشاعر:
أُراقبُ في السَّماءِ بَناتِ نَعْشٍ .. ولَوْ أسْطيعُ كُنْتُ لَهُنَّ حادي
كما يبرز "الفرقدان"، النجمان اللذان ضربت بهما العرب المثل في الملازمة والوفاء، حيث قيل:
وكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أَخوهُ .. لَعَمرُ أَبيكَ إِلّا الفَرقَدانِ
حارس السماء والفارس الأعزل
إذا تتبعنا انحناء ذيل الدب الأكبر، سيقودنا المسار إلى نجمين لهما في الوجدان العربي شأن:
- السماك الرامح (Arcturus): حارس السماء الذي سمي رامحاً لارتفاعه الشاهق كأنه يحمل رمحاً يحمي به القبة.
- السماك الأعزل (Spica): في برج العذراء، وسمي أعزل لخلوه من النجوم اللامعة حوله، كأنه فارس بلا سلاح.
بينما يتوسط السماء برج الأسد، الذي يمثل في المخيال العربي عملاقاً يمتد ليشمل أجزاء من سبع كوكبات حديثة، بتمثيل كامل لأعضائه من الجبهة والزبرة وصولاً إلى الذيل.
الخاتمة
إن رصد هذه الظواهر الفلكية فعلُ استعادةٍ لإرثٍ إنساني عميق؛ فهي صلة وصل بين ذواتنا وبين هذا الكون الفسيح. اجتماع المشتري والزهرة مع الهلال ليس حدثاً عابراً، بل هو لوحة فنية تعيد صياغة الأساطير العربية بلغة الفيزياء الحديثة، وتدفعنا للتأمل في بديع صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه.



اترك تعليقاً