# من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه: دستور رباني لحياة مثمرة
إن الوقت هو رأس مال المسلم، وهو الوعاء الذي تُسكب فيه الأعمال، فإما أن يُملأ بما يرفع الدرجات ويُثقل الموازين، وإما أن يضيع هباءً منثوراً في ملاحقة السراب. ومن أعظم القواعد النبوية التي أرست دعائم الشخصية الإسلامية المتزنة، قوله صلى الله عليه وسلم: “من حُسن إسلام المرء؛ تركه ما لا يعنيه”. هذا الحديث ليس مجرد نصٍّ يُحفظ، بل هو منهج حياة، وفلترة إيمانية لكل ما يدخل إلى عقولنا وقلوبنا.
في عصرنا الحالي، ومع انفجار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا نعيش في محيط متلاطم من المعلومات والتدخلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لقد أصبح “ما لا يعنينا” هو الشغل الشاغل للكثيرين، مما أدى إلى تشتت الأرواح وضياع الأعمار. وفي هذا المقال، سنغوص في أعماق هذا المفهوم النبوي، وكيف يمكننا تطبيقه للنجاة من فخ التفاهة.
أولاً: فخ التفاهة الرقمية.. ماذا تتابع ليل نهار؟
إن تلك الشاشات التي تلازمنا كظلنا، أصبحت هي المنفذ الأكبر لكل ما لا يعنينا. تأمل في حالك وحال من حولك؛ تلك الصفحات والفيديوهات التي تلتهم ساعات يومك، هل سألت نفسك يوماً: ما الفائدة المرجوة منها؟
1. أخبار المشاهير والفنانين: أنت لا يعنيك على الإطلاق مشكلة الفنان فلان مع زوجته، ولا يعنيك تفاصيل طلاقهم أو صلحهم. هذه الخصوصيات هي أمانات في أعناق أصحابها، وتتبعها هو نوع من التلصص المذموم الذي يمرض القلب.
2. صراعات الملاعب واللاعبين: تلك المشاجرات العقيمة حول لاعب معين؛ هل يستحق الجائزة أم لا؟ وهل هو الأفضل في التاريخ أم غيره؟ إنها معارك وهمية لا تزيد في رصيد حسناتك شيئاً، بل توغر الصدور وتضيع الأوقات في جدال منهي عنه.
3. تريندات التيك توك: إن ملاحقة مشكلات التافهين على منصات التواصل، ومتابعة تحدياتهم السخيفة، هو انحدار بالذوق العام وتدنيس لسمو النفس المؤمنة.
إن استهلاك هذه المحتويات يجعل العقل معتاداً على السطحية، ويحرمه من لذة الغوص في معالي الأمور.
ثانياً: هوس الملاحقة.. لماذا نراقب حياة الآخرين؟
لقد فُتحت الأبواب على مصراعيها لنشاهد أدق تفاصيل حياة المشاهير والبلوجرز، وهذا أوجد مرضاً قلبياً خطيراً.
- للرجل: أنت لا يعنيك كيف يعيش اللاعب أو المشهور الفلاني، وماذا يركب من سيارات فارهة، وكم يتقاضى من ملايين الدولارات. إن مراقبة أرزاق الآخرين تورث الحسد وعدم الرضا بما قسمه الله لك. كما أن انشغالك بالتعليق على كل حادثة ونازلة، وكأنك قاضي الأرض، هو تبديد لطاقتك الفكرية فيما لا طائل منه.
- للمرأة: وأنتِ أيتها الأخت الفاضلة، لا يعنيكِ آخر صيحات الموضة التي تتغير كل ساعة، ولا يعنيكِ كيف تعيش البلوجر الفلانية، ولا يعنيكِ (الأوتفيت) الخاص بها أو ماركة حقيبتها. إن الغرق في هذه التفاصيل يحول الاهتمام من الجوهر والروح إلى المظهر الزائف، ويجعل الحياة سباقاً محمومًا نحو الماديات.
- قسوة القلب: لأن القلب يمتلئ بصور الدنيا وأخبارها، فيضيق مكان ذكر الله فيه.
- تبلد الإحساس: من كثرة مشاهدة المشكلات والفضائح، يصبح المرء غير مبالٍ بالقيم والمبادئ.
- ضياع العمر: العمر هو الثواني والدقائق، فإذا ذهبت في مراقبة “ستوري” فلان و”بوست” فلان، فماذا بقي لك للقاء الله؟
إن الانشغال بكيف يعامل الفنان فلان زوجته، أو كيف تقضي المشهورة فلانة عطلتها، هو نوع من “الفضول القاتل” الذي يسلبكِ السكينة والرضا بحياتك الواقعية.
ثالثاً: مفهوم “ما يعينك” في الميزان الشرعي
إذا كان الإسلام يأمرنا بترك ما لا يعنينا، فما هو الذي يعنينا حقاً؟ إن دائرة “ما يعنيك” تشمل كل ما فيه نفع لدينك، أو صلاح لدنياك، أو خدمة لأمتك.
1. ما يقربك من ربك
هذا هو الأصل والأهم. يعنيك أن تتعلم عقيدتك الصحيحة، أن تحسن صلاتك، أن تتدبر قرآنك، وأن تطهر قلبك من الأمراض كالحقد والرياء. يعنيك أن تبحث عن سبل النجاة في الآخرة، فهذا هو السؤال الذي ستواجهه وحيداً في قبرك.
2. تحصين أمر دينك
في زمن الفتن والشبهات، يعنيك أن تفهم كيف تحمي نفسك وأهلك من الانجراف وراء الأفكار المنحرفة. يعنيك أن تبني وعياً شرعياً يجعلك تميز بين الحق والباطل، وبين السنة والبدعة.
3. الأمور الجادة والخاصة بك وبأمتك
يعنيك أن تفهم قضايا أمتك الكبرى، أن تتألم لألم المسلمين، وتفرح لفرحهم، ولكن بوعي وليس بمجرد الانفعال مع كل منشور. يعنيك أن تكون عضواً فاعلاً في مجتمعك، تحمل هماً رسالياً.
4. النجاح الدنيوي والنهوض بالأمة
يعنيك أن تنجح في مجالك الدنيوي؛ سواء كنت طالباً، أو مهندساً، أو عاملاً، أو طبيباً. إن إتقانك لعملك هو جزء من دينك، ونهوضك بنفسك هو نهوض بأمتك. هذا هو الانشغال الحقيقي الذي يثمر حضارة وقوة.
رابعاً: خطورة الانغماس في “الماجريات”
يستخدم العلماء لفظ “الماجريات” للإشارة إلى الانشغال بالأحداث والأخبار والوقائع التي لا يترتب عليها عمل. إن الغرق في الماجريات يؤدي إلى:
إن المتأمل في حال الأمة يجد أن التخلف لم يأتِ إلا حين انشغل أبناؤها بالصغائر وتركوا العظائم. حين أصبح الحديث عن حياة المشاهير أهم من الحديث عن مشاريع النهضة والإنتاج.
خامساً: خطوات عملية لترك ما لا يعنيك
للانتقال من حالة التشتت إلى حالة التركيز، لابد من خطوات حازمة:
1. تصفية المتابعات: ابدأ الآن بإلغاء متابعة كل صفحة أو شخص لا يضيف لك قيمة دينية أو دنيوية حقيقية. طهر بيئتك الرقمية.
2. تحديد وقت الشاشة: اجعل لنفسك وقتاً محدداً لاستخدام الهاتف، ولا تتركه مفتوحاً لكل وارد وشارد.
3. إحياء ورد المحاسبة: اسأل نفسك قبل كل فعل أو تعليق: هل هذا يعنيني؟ هل سأؤجر عليه؟ هل سيسألني الله عنه؟
4. الاشتغال بالبديل النافع: النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. املأ وقتك بالقراءة، بطلب العلم، بالرياضة، بصلة الرحم، أو بتطوير مهارة مهنية.
5. غض البصر البصري والمعنوي: كما تغض بصرك عن الحرام، غضه عن الفضول. لا تمدنّ عينيك إلى ما متع الله به غيرك من زينة الحياة الدنيا لفتنهم فيه.
خاتمة: انتبه فهنا عمرٌ يضيع
أيها القارئ الكريم، انتبه بارك الله فيك، انتبه؛ فهنا عمرٌ يضيع على ما لا يعنينا. إن كل دقيقة تقضيها في تتبع تفاهة، هي دقيقة خصمت من رصيد بنائك لذاتك ولآخرتك. ركّز في دائرة تأثيرك، ركّز في إصلاح نفسك، وتربية أبنائك، وإتقان عملك.
تذكر دائماً وصية نبيك الكريم، واجعلها شعاراً لك في كل حركة وسكون. إن ترك ما لا يعنيك ليس انغلاقاً، بل هو قمة الذكاء والوعي، وهو الطريق الوحيد لتكون مسلماً حقاً، تسمو بروحه فوق سفاسف الأمور، وتتطلع دوماً إلى معاليها.
كفى بالمرء ضياعاً أن يكون مطلعاً على كل شيء إلا على عيوب نفسه، وعارفاً بكل الناس إلا بخالقه. استعن بالله، وابدأ من اليوم رحلة التحرر من قيود التفاهة، لتكون من الذين حَسُن إسلامهم، وعظم أثرهم.
كتبه: أبو مسلم (بإعادة صياغة وتوسع)


اترك تعليقاً