مائتا يوم من الوعود الموؤودة
هل يملك الحبرُ أن يوقف نزيف الجراح إذا كان مداده وعوداً لم تعرف طريقاً للتنفيذ؟ تمر اليوم مائتا شمس على اتفاق وقف الحرب على غزة، ذلك الاتفاق الذي وُلد في ردهات شرم الشيخ في أكتوبر 2025، واستبشر به المكلومون خيراً ليكون فجراً ينهي ظلام حرب الإبادة. غير أن الواقع المرير يخبرنا أن السلام الذي وُعد به الغزيون كان سراباً بقيعة، إذ بقيت آلة القتل تحصد الأرواح، وظلت القيود تنهش جسد القطاع المنهك.
لقد أظهرت الوقائع أن الالتزام كان من طرف واحد؛ فحين قدمت المقاومة ما عليها من استحقاقات في ملف الأسرى والجثامين وفق الجداول الزمنية، اختار الاحتلال منهج المماطلة والتنصل، محولاً الهدنة إلى غطاء لاستكمال فصول المأساة.
لغة الأرقام: جرحٌ ينزف تحت عباءة التهدئة
الأرقام في غزة ليست مجرد خانات حسابية، بل هي صرخات مكتومة وحكايات لم تكتمل. منذ بدء سريان هذه الهدنة الهشة، لم يتوقف عداد الموت، وتكشف البيانات الرسمية عن حصيلة تدمي القلوب:
- 824 شهيداً: ارتقوا بفعل القصاص المباشر أو القصف الغادر منذ 10 أكتوبر الماضي.
- 2316 مصاباً: يحملون في أجسادهم ندوباً تحكي قصة اتفاق لم يحمِ أحداً.
- 2400 خرق عسكري: سجلها المكتب الإعلامي الحكومي، تنوعت بين قصف واستهداف مباشر.
- 37% فقط: هي نسبة الالتزام بإدخال المساعدات الغذائية والوقود، مما يعني بقاء شبح الجوع مخيماً.
- 7% فقط: هي نسبة السماح بالسفر عبر معبر رفح، مما حول القطاع إلى سجن كبير موصد الأبواب.
هندسة الخناق: الخطوط الصفراء والبرتقالية
بينما كان العالم ينتظر انسحاباً يلمس أثره الناس، كانت خرائط الاحتلال تُعاد صياغتها ببرود شديد. لم تكتفِ إسرائيل بالبقاء خلف "الخط الأصفر" الذي يقضم 53% من مساحة القطاع، بل استحدثت ما يسمى بـ "الخط البرتقالي".
هذا التمدد الجغرافي الجديد يعني تقليص المساحة المتاحة للفلسطينيين لتصل إلى 36% فقط من مساحة أرضهم. إنها عملية "قضم صامت" للأرض، حيث تُحول مناطق التنسيق المزعومة إلى مصيدة للمدنيين، ويصبح النازحون أهدافاً محتملة في أي لحظة تحت ذريعة "المناطق الأمنية".
الركام.. جبالٌ من الأسى وتحديات الإعمار
يتحدث الاتفاق في مرحلته الثانية عن إعادة الإعمار، لكن كيف يبدأ البناء والأنقاض تسد الأفق؟ تقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة ما دمره الاحتلال بنحو 71.4 مليار دولار.
إن حجم الركام في غزة يبلغ اليوم 61 مليون طن؛ وهي كتلة هائلة لو وضعت جنباً إلى جنب لغطت مساحات شاسعة، ولم يُرفع منها سوى 287 ألف طن فقط. هذا البطء ليس عجزاً تقنياً فحسب، بل هو نتيجة مباشرة لمنع دخول المعدات والوقود، ووجود آلاف الأطنان من الذخائر غير المنفجرة التي تتربص بالعمال، مما يجعل عملية التعافي أشبه بالسير في حقل ألغام.
شلل السياسة وتغييب "لجنة التكنوقراط"
على الصعيد الإداري، وُلدت "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" بموجب تفاهمات دولية لتكون جسراً نحو الاستقرار، لكنها بقيت حبيسة المكاتب في القاهرة. يرفض الاحتلال دخول أعضائها إلى القطاع، في محاولة متعمدة لمنع عودة الحياة المدنية أو السياسية، وإبقاء غزة في حالة من الفوضى المبرمجة التي تخدم استمرار الاحتلال العسكري.
خاتمة: ميثاقٌ على ورق ودماءٌ على الأرض
إن مرور مائتي يوم على اتفاق وقف الحرب على غزة يضع المجتمع الدولي أمام مرآة الحقيقة؛ فالاتفاقات التي لا تحميها قوة الحق، ولا تضمنها إرادة دولية حازمة، تصبح مجرد صكوك لتأجيل الموت لا لمنعه. إن غزة اليوم لا تحتاج إلى وعود ورقية جديدة، بل إلى كسر حقيقي للأغلال، وانسحاب كامل يتيح للإنسان أن يرمم ما تبقى من حياته فوق ترابه الوطني. ستبقى الحقيقة الساطعة أن السلام لا يُبنى على أنقاض العدالة، وأن دماء الشهداء ستبقى الشاهد الأكبر على زيف الالتزامات التي لم تجد طريقاً للتنفيذ.



اترك تعليقاً