مباغتة الأجل وقصر الأمل: تأملات في الاستعاذة من فجاءة نقمة الله

مباغتة الأجل وقصر الأمل: تأملات في الاستعاذة من فجاءة نقمة الله

مقدمة: في ظلال الاستعاذة النبوية

إنَّ من أعظمِ ما يُبتلى به العبدُ الغافلُ هو الركونُ إلى الدنيا وطولُ الأملِ فيها، والذهولُ عن مباغتةِ الأقدارِ التي قد تأتي بما لا تشتهيهِ الأنفسُ. ومن هنا، كان الهديُ النبويُّ نبراساً يستضيءُ به المؤمنُ للحذرِ من فجاءة نقمة الله، تلك اللحظة التي تنقلبُ فيها الموازينُ، ويحلُّ السخطُ محلَّ الرضا، والعذابُ محلَّ العافيةِ، في وقتٍ لا ينفعُ فيه ندمٌ ولا تُقبلُ فيه معذرة.

أولاً: الاستعاذة من مباغتة العقوبة وانقطاع العافية

لقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وهو أخشى الناسِ لربه، يدركُ عظمةَ جلالِ اللهِ وسطوتَه، فكان يلوذُ بحماه من كل ما يُسخطه. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك».

إنَّ قوله صلى الله عليه وسلم «وفجاءة نقمتك» يحملُ في طياته تحذيراً بليغاً من مباغتةِ المكافأةِ بالعقوبةِ، والانتقامِ بالغضبِ والعذابِ؛ وقد خُصَّت الفجاءةُ بالذكرِ لأنها أشدُّ وقعاً على النفسِ، وأصعبُ احتمالاً، إذ تأتي مباغتةً دون سابقِ إنذارٍ، فلا تتركُ للعبدِ فجوةً للتوبةِ أو فرصةً للإنابةِ وتداركِ ما فات.

ثانياً: حقيقة الأمل في مواجهة حتمية الأجل

لا ينبغي للمسلمِ الحصيفِ أن يمدَّ حبالَ أملهِ في دنيا فانيةٍ، فالحقيقةُ الشرعيةُ والوجوديةُ تؤكدُ أنَّ الأجلَ أقربُ إلى المرءِ من خيالهِ. لذا وجبَ الإكثارُ من الطاعاتِ والقرباتِ، وقصرُ الأملِ على قدرِ الكفافِ، لئلا يغرقَ العبدُ في لججِ الدنيا فيدركهُ الموتُ بغتةً وهو غيرُ مستعدٍ للقاءِ ربهِ عز وجل.

وقد صوّر لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقةَ تصويراً حسياً بليغاً؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطاً، فقال: «هذا الأمل وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب».

وفي رواية الترمذي لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”هذا ابن آدم، وهذا أجله“ ووضع يده عند قفاه ثم بسطها فقال: ”وثم أمله وثم أمله وثم أمله“. فهذا الحديثُ النبويُّ الشريفُ يبرهنُ على أنَّ أجلَ الإنسانِ أقربُ إليهِ بكثيرٍ مما يرتجيهِ من آمالٍ عريضةٍ.

ثالثاً: الآفات المتربصة وطبيعة الرحيل

إنَّ طريقَ الإنسانِ في هذه الحياةِ محفوفٌ بالمخاطرِ والآفاتِ التي قد تقطعُ عليهِ حبلَ أملهِ في أيِّ لحظةٍ. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم غرز بين يديه غرزاً، ثم غرز إلى جنبه آخر، ثم غرز الثالث فأبعده، ثم قال: ”هل تدرون ما هذا؟“ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ”هذا الإنسان، وهذا أجله، وهذا أمله يتعاطى الأمل يختلجه دون ذلك“.

وقد علّق الحافظُ ابن حجرٍ رحمه الله على هذه المعاني بقوله: «والأحاديث متوافقة على أن الأجل أقرب من الأمل. فالخطوط هي الآفات التي تعرض، فبينما الإنسان كذلك في هذه الآفات التي تعرض إذ جاءه الخط الأقرب وهو الأجل».

رابعاً: الموت أدنى من شراك النعل

كيف يطيبُ لمسلمٍ أن يطولَ أملهُ وهو يرى سرعةَ تصرفِ الأقدارِ؟ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

*كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول:

*ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل*

قال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا، وفى مدنا، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة». قالت: وقدمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله. قالت: فكان بطحان يجري نجلاً. تعني ماءً آجناً.

دروس مستفادة من الهدي النبوي:

  • الحذر من الاغترار بالعافية: فالنقمة قد تأتي بغتةً إذا غفل العبد عن شكر المنعم عز وجل.
  • قصر الأمل: اليقين بأن الأجل يترصد الإنسان، مما يستوجب المسارعة إلى العمل الصالح.
  • الاستعاذة الدائمة: لزوم الدعاء النبوي للوقاية من تحول النعم وسخط الله سبحانه وتعالى.
  • الاستعداد للقاء الله: ألا تأخذنا الدنيا بزخرفها عن الغاية الكبرى وهي الفوز بالآخرة.

خاتمة: إقبال وإدبار

ختاماً، ما أصدقَ قولَ بعضِ الحكماءِ حين وصفوا حالَ الدنيا والآخرةِ بقولهم: «الدنيا مدبرة، والآخرة مقبلة، فعجب لمن يقبل على المدبرة ويدبر على المقبلة». فليكن زادنا في هذه الرحلةِ تقوى اللهِ عز وجل، ولنحذر فجاءة نقمة الله بالاستقامةِ على أمره، سائلين المولى سبحانه أن يديمَ علينا عافيته، ويسترنا بجميلِ ستره، ولا يؤاخذنا بغفلاتنا، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *