مقدمة: حين يمتزج صرير السياسة بتراتيل المعتقد
هل يمكن للدولة التي قامت على مبدأ الفصل بين الكنيسة والبيت الأبيض أن تجد نفسها اليوم في أتون صراع يختلط فيه اليقين الديني بالطموح السياسي؟ إن المشهد الراهن يشير إلى أن الدين والسياسة في أمريكا لم يعودا خطين متوازيين، بل صارا نسيجاً واحداً يُغزل في ميادين الانتخابات وأروقة البنتاغون، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل التعددية في بلاد العم سام.
ميشيغان: صندوق الاقتراع في مواجهة الهوية
في ولاية ميشيغان، حيث تشتد المنافسة، تحولت المنابر الانتخابية إلى ساحات للمواجهة العقدية. يسعى الرئيس السابق دونالد ترمب إلى استنهاض القواعد الشعبية عبر خطاب يستحضر «فوبيا» الآخر، مستهدفاً المرشح الديمقراطي عبدول السيد. هذا الصراع ليس صراعاً على برامج اقتصادية فحسب، بل هو معركة على «تعريف الهوية الأمريكية».
أرقام ودلالات من واقع السجال:
- 34% فقط: هي نسبة التأييد لأداء ترمب بين الناخبين المرجح تصويتهم، وفق استطلاع «نيويورك تايمز» و«سيينا».
- 9 أيام: هي المهلة الفاصلة التي سبقت التصريحات النارية لترمب قبل الانتخابات النصفية، في محاولة لقلب الطاولة.
- تزييف الانتماء: اتهام السيد بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما نفاه الأخير جملة وتفصيلاً، معتبراً إياه ستاراً دخانياً لصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية.
البنتاغون: حين يرتدي «المرشد» بزة القتال
بعيداً عن صخب الصناديق، تشهد المؤسسة العسكرية تحولاً هيكلياً يثير ريبة حراس العلمانية. وزير الحرب، بيت هيغسيث، يمضي قدماً في إضفاء صبغة دينية مؤسسية على الجيش، متجاوزاً البيروقراطية التقليدية لفتح قناة اتصال مباشرة مع «مكتب الشؤون الدينية» الجديد.
حملة «أرسلني»: استدعاء النص المقدس
أطلق البنتاغون حملة إلكترونية تحت شعار «أرسلني» (Send Me)، وهي استعارة مباشرة من سفر إشعياء في الكتاب المقدس. هذا التوظيف للنص الديني يشبه صب الزيت على نار الجدل؛ فهو في نظر مؤيديه «جذر وطني»، وفي نظر معارضيه «نزعة صليبية» تمنح العمل العسكري قداسة مسبقة.
هواجس التعددية وظلال الإقصاء
تتعالى الأصوات المحذرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها. نقيب في الجيش، آثر الكتمان خشية التنكيل، يرى أن ربط مهام الدولة بعقيدة واحدة هو انزلاق نحو «الحملات المقدسة» التي تلغي حياد الدولة.
مخاوف تتجاوز الشعارات:
- التمويل الانتقائي: خشية من توجيه الموارد لدعم التعليم المنزلي والبرامج النفسية ذات الطابع الديني المسيحي فقط.
- حجب الهويات: رسالة المرشدة السابقة ريبيكا سافاج التي كشفت عن تعديلات في قوائم الانتماء الديني أدت إلى تهميش أقليات دينية.
- الترقيات: القلق من أن يصبح الولاء للمكتب الجديد معياراً غير معلن للتقدم الوظيفي للمرشدين.
خاتمة: مابين القداسة والسياسة
إن ما يحدث اليوم في الولايات المتحدة يتجاوز كونه مجرد تكتيك انتخابي عابر؛ إنه إعادة رسم للحدود الفاصلة بين «المقدس» و«المدني». حين يصبح الدين سلاحاً في يد السياسيين، أو شعاراً على صدور العسكريين، فإن جوهر الديمقراطية القائم على التعددية يوضع على المحك. يبقى السؤال: هل ستظل أمريكا واحة لجميع المعتقدات، أم أن «محراب السلطة» سيتسع فقط لمن يرتلون نصوصه المختارة؟



اترك تعليقاً