محمد أسد: المهاجر إلى الله من تيه المادية إلى أنوار الهداية
في مطلع القرن العشرين، وبينما كانت القارة الأوروبية تموج باضطرابات فكرية وسياسية عاتية، وُلدت روحٌ قلقة لم تجد مستقرها في طقوس موروثة ولا في مذاهب مادية جوفاء. إنها سيرة محمد أسد، أو «ليوبولد فايس» كما كان يُدعى قبل أن تشرق شمس الإسلام في قلبه؛ ذلك المفكر الذي لم يكن مجرد رحالة عابر، بل كان باحثاً عن الحقيقة في زمن الزيف، ومنافحاً عن الحق في وجه الطغيان الصهيوني، ومفسراً للقرآن بلسانٍ عربيٍّ مبين وقلبٍ مؤمنٍ مستيقن.
الجذور والنشأة: قلقٌ في معاقل «الربانيين»
وُلد ليوبولد فايس عام 1900م في مدينة «لفوف» لأسرة يهودية عريقة في التدين؛ فجده كان حاخاماً لوالده المحامي، وقد تضلع الفتى منذ نعومة أظفاره في التوراة والمشنا والجماراة، وأتقن العبرية والآرامية. غير أن هذا التعمق لم يزده إلا تشككاً؛ فقد رأى في إله العهد القديم انحيازاً غريباً لعرقٍ واحد، واهتماماً مفرطاً بالطقوس على حساب الجوهر الإنساني الشامل.
وعقب الحرب العالمية الأولى، انتقل فايس إلى فيينا ثم برلين، حيث انغمس في أوساط «الإنتلجانسيا» الأوروبية، متأثراً بمدرسة التحليل النفسي، لكنه سرعان ما نفر من عنجهيتها التي اختزلت سر الوجود الإنساني في ردود فعل عصبية، مؤمناً بأن الأمر «أعقد من ذلك وأجمل».
فلسطين.. حين تراءى وجه الأنبياء في ملامح البدو
كانت الرحلة إلى القدس عام 1922م بدعوة من خاله الطبيب هي المنعطف الحاسم. هناك، في أزقة المدينة المقدسة، سُحر فايس بالعرب الذين رآهم يمثلون عالماً متمحوراً حول نفسه ومنفتحاً على الوجود في آن واحد.
لقد رأى في البدوي العربي سلالة إبراهيم وداود عليهما السلام، وأدرك بحدسه أن هؤلاء هم الورثة الحقيقيون لروح الأنبياء، لا أولئك الغرباء القادمون من أوروبا الشرقية بصلفهم وتعصبهم القومي. ومن هنا، بدأت مواجهته الفكرية مع الصهيونية، حيث أبرق لمقالاته لصحيفة «فرنكفورتر زايتونغ» الألمانية، كاشفاً زيف المقولة الصهيونية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
المواجهة مع حاييم وايزمان
في لقاء تاريخي، واجه فايس زعيم الحركة الصهيونية حاييم وايزمان بسؤال أخلاقي مباشر: «ألا يزعجك الجانب الأخلاقي للمسألة؟ ألا تعتقد أنه من الخطأ طرد شعب عاش منذ الأبد في هذا البلد؟». فما كان من وايزمان إلا أن أجاب بجفاف: «نحن لا نفعل سوى استعادة حقنا المسلوب!».
لقد أدرك محمد أسد مبكراً أن الصهيونية حركة إحلالية تهدف لطرد السكان الأصليين، وهو ما جعله منبوذاً في الأوساط اليهودية التي اعتبرته «مرتداً».
من برلين إلى مكة: إشراقة التوحيد
لم يكن إسلام محمد أسد وليد صدفة، بل كان ثمرة بحثٍ مضنٍ. فبينما كان يعيش رغد العيش وشهرة الصحافة في برلين، كان يشعر بخواء الروح في المجتمع الأوروبي. وبعد دراسة عميقة للقرآن الكريم، نطق بالشهادتين عام 1926م وتسمى بـ «محمد أسد»، وتبعه في ذلك زوجته «إلسا».
- رحلة الحج: شد الرحال إلى مكة عام 1927م، وهناك صهرته المحن بوفاة زوجته، لكنه استمر في طلب العلم في مكتبة الحرم المكي.
- المستشار الأمين: توطدت علاقته بالأمير فيصل بن عبد العزيز، ثم بالملك عبد العزيز آل سعود، حيث عُين مستشاراً وجاب المملكة على ظهر جمله، متشرِّباً قيم البداوة والإسلام.
- المصاهرة العربية: تزوج من السيدة منيرة من قبيلة شمر، وأنجب ابنه طلال الذي صار لاحقاً عالماً في الأنثروبولوجيا.
محمد أسد في الهند وباكستان: صياغة الحلم الإسلامي
انتقل أسد إلى الهند بدعوة من فيلسوف الإسلام محمد إقبال، الذي رأى فيه العقل القادر على صياغة الأسس الفكرية لدولة إسلامية حديثة. شارك بقوة في حراك استقلال باكستان، وكان يرى فيها نموذجاً للدولة التي تقوم على المبادئ الأيديولوجية لا العرقية.
وقد تعرض للاعتقال على يد الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي تلك الفترة فُجع بمقتل والده وأخته في معسكرات النازيين، وهو ما يثبت أن موقفه من الصهيونية لم يكن نابعاً من كرهٍ لذويه، بل من انحيازٍ مطلقٍ للعدل.
إرثه الخالد: رسالة القرآن والطريق إلى مكة
ترك محمد أسد للمكتبة الإسلامية والعالمية درراً فكرية، منها:
- كتاب «الطريق إلى مكة»: وهو سيرة ذاتية روحية تُعد من أروع ما كُتب في أدب الرحلات والإيمان.
- ترجمة القرآن الكريم (The Message of the Qur’an): التي تميزت بلغة إنجليزية رفيعة، محاولاً فيها نقل «القول الملغز الإيجازي» للغة القرآن.
- كتاب «مبادئ الدولة والحكم في الإسلام»: الذي وضع فيه رؤيته للدولة الإسلامية المعاصرة.
لقد ظل محمد أسد وفياً لمبادئه، حتى في لقائه مع المفتي الحسيني عام 1918م الذي استقبله مستشهداً بالحديث النبوي الشريف عن أهل الذمة:
«لهم ما لنا وعليهم ما علينا».
الخاتمة: حكمة الرحيل
رحل محمد أسد عن عالمنا في إسبانيا عام 1992م، تاركاً وراءه تساؤلاً كبيراً حول قدرة المسلمين على استعادة ريادتهم في عصر التكنولوجيا. لقد كان يؤمن أن الإسلام دين الفطرة الذي يجمع بين الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة.
اللهم ارحم عبداً هاجر إليك بقلبه وعقله، واجعل ما قدمه من فكرٍ وبيان في ميزان حسناته، وأحيِ في الأمة روح البحث عن الحقيقة والتمسك بالحق كما أحياها في سيرته. آمين.



اترك تعليقاً