مرافئ اليقين في لُجج الابتلاء: فقه الصبر ومنازل السالكين

مرافئ اليقين في لُجج الابتلاء: فقه الصبر ومنازل السالكين

مرافئ اليقين في لُجج الابتلاء: فقه الصبر ومنازل السالكين

إنَّ هذه الدارَ التي نَحُلُّ بساحتِها، ونستظلُّ بفيئِها، ما هي إلا مَعْبَرٌ نَحوَ الخلود، وقنطرةٌ نعبُرُ من خلالها إلى دارِ القرار. لم يشأ اللهُ سبحانه وتعالى أن تكونَ الدنيا مستقراً نهائياً، بل جعلها مِضماراً للسباق، وميداناً لتمحيصِ النفوس؛ ليميزَ اللهُ الخبيثَ من الطيب. إنَّ مفهوم الابتلاء والصبر هو المحورُ الذي تدورُ عليه رحى هذه الحياة، فإما خلودٌ في جناتِ النعيم -وهو الذي ندبنا اللهُ للتنافسِ فيه- وإما خلودٌ في شقاءٍ، عياذاً بالله، وهو الذي حذرنا منه ربُّنا في محكمِ التنزيل.

الدنيا دارُ ممرٍ لا دارُ مَقَر

إنَّ المتأملَ في طبيعةِ الحياةِ الدنيا يدركُ يقيناً أنها مفعمةٌ بالمحن، ومحفوفةٌ بالمكاره. فالمصائبُ فيها أكثرُ من أن تُحصى، والخطوبُ تتوالى وتتنوعُ بتنوعِ الأيامِ وتداولِها. وهذا التدافعُ بين الرخاءِ والشدةِ هو مقتضى الحكمةِ الإلهية؛ إذ نحن في دارِ ابتلاءٍ واختبار، لا دارِ جزاءٍ وقرار. فمن فَقِهَ هذه الحقيقةَ استقامَ فكرُه، وهدأت نفسُه، ولم يته في تيهِ الحيرةِ والقلقِ عند نزولِ النازلة.

شموليةُ المحنِ وسُنَّةُ الابتلاء

تأتي الحوادثُ الحياتيةُ من أمراضٍ وفتنٍ وحروبٍ وأزماتٍ اقتصادية، لتشملَ بوطأتِها الجميع، فهي سُنَّةٌ كونيةٌ لا تحابي أحداً. إذا حلَّ القَدَرُ، فإنه لا يفرقُ بين غنيٍ وفقير، ولا بين قويٍ وضعيف، ولا بين مسلمٍ وغيره. فالكلُّ أمامَ نوائبِ الدهرِ سواسية، ولكنَّ المَحَكَّ الحقيقيَّ ليس في وقوعِ البلاء، بل في كيفيةِ استقبالِ القلوبِ له، وصمودِ الأرواحِ أمامَ عواصفِه.

تفاوتُ العزائمِ في مواجهةِ الخطوب

ينقسمُ الناسُ أمامَ زلازلِ المحنِ إلى منازلَ شتى:

  • فريقٌ تخورُ قواهُ: وتنهارُ عزيمتُه عند أولِ بادرةٍ من بوادرِ الشدة.
  • فريقٌ يصمدُ قليلاً: ثم لا يلبثُ أن يستسلمَ لليأسِ بعد أمدٍ قصير.
  • فريقٌ ثالث: يمتلكُ نَفَساً أطولَ في المقاومة، لكنه يفتقرُ لروحِ اليقين.
  • الصفوةُ المؤمنة: وهم الذين يواجهون المحنةَ بعزيمةٍ لا تلين، وإيمانٍ راسخ، وثقةٍ مطلقةٍ في الله سبحانه وتعالى. هؤلاء هم أهلُ الصبرِ والمصابرةِ الذين يغبطُهم الناسُ على ثباتِهم في ملاحمِ الابتلاء.

عقيدةُ المؤمنِ في مواجهةِ الأقدار

لقد مَنَّ اللهُ علينا بمدرسةِ الإيمان، التي غرست في نفوسِنا منذ نعومةِ أظفارِنا عقيدةَ الإيمان بالقدر خيره وشره. هذه العقيدةُ هي الملاذُ الآمنُ الذي يمنحُ المؤمنَ طمأنينةً لا تزعزعُها الجبال.

لقد تعلم المسلمُ يقيناً أنَّ:

"ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فقد رُفعت الأقلام وجفت الصحف".

كما استقرَّ في وجدانِنا أنَّ المؤمنَ مأجورٌ في كلِّ أحوالِه، حتى في أدقِ الآلامِ حساً ومعنى، لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى الشوكة يشاكها له فيها أجر). فهناك أجرٌ على الألم، وأجرٌ على الصبرِ عليه.

دروسُ الإيمانِ في السراءِ والضراء

إنَّ من أعظمِ دروسِ النبوةِ أنَّ المؤمنَ يتقلبُ بين مقامَي الشكرِ والصبر، وكلاهما خيرٌ له. ففي الحديثِ الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

خاتمةٌ في فقهِ المواجهة

خلاصةُ القولِ أنَّ الشدائدَ هي قدرٌ مقدورٌ في حياةِ البشر، لا يستثني منها أحداً. وإنَّ أولَ ما نلوذُ به هو التضرعُ إلى الله سبحانه وتعالى أن يُفرغَ علينا صبراً، وأن يلهمَنا الحكمةَ والقوةَ لمواجهةِ ما قد يقعُ في النفسِ أو الأهلِ أو المال. نسألُ اللهَ أن نخرجَ من هذه الامتحاناتِ بأقلِ الأضرار، سالمين في دينِنا ودنيانا، راجين ثوابَ الامتحانِ في الدنيا والآخرة.

حفظنا اللهُ وإياكم من شرِّ الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وجعلنا ممن إذا أُعطيَ شكر، وإذا ابتُليَ صبر، وإذا أذنبَ استغفر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *